وأما تضمينه بغير جنسه ففي غاية العدل، فإنه لا يمكن تضمينه بمثله البتة، فإن اللبن في الضرع محفوظ غير معرضٍ للفساد، فإذا حلب صار عرضةً لحمضه وفساده، فلو ضمن اللبن الذي كان في الضرع بلبنٍ محلوبٍ في الإناء، كان ظلماً تتنزه الشريعة عنه.
وأيضاً فإن اللبن الحادث بعد العقد اختلط باللبن الموجود وقت العقد، فلم يعرف مقداره حتى يوجب نظيره على المشتري، وقد يكون أقل منه أو أكثر، فيفضي إلى الربا، لأن أقل الأقسام أن تجهل المساواة1.
رابعاً: دعوى مخالفته لحديث "الخراج بالضمان"2، فالجواب أن يقال:
____________________
1 أعلام الموقعين (1/517) .
2 انظر: أعلام الموقعين (1/516) .
وهذا الحديث جاء عن عائشة - رضي الله عنها - مرفوعاً من طريقين:
الطريق الأولى: عن مخلد بن خفاف عن عروة عنها به:
رواه أبو داود [كتاب البيوع (3/777-779) ] ، والترمذي [كتاب البيوع (3/581-582) ] ، والنسائي [كتاب البيوع (7/254،255) ] ، وابن ماجه [كتاب التجارات (2/753-754) ] ، وأبو داود الطيالسي (ص206) ، وأحمد (6/49،208،237) وغيرهم، كلهم من طرقٍ عن ابن أبي ذئب به.
ومخلد بن خفاف - بضم الخاء -[المغني في ضبط أسماء الرجال (ص93) ] ، قال فيه البخاري: فيه نظر، وفي سماع ابن أبي ذئب منه عندي نظر، ولا يعرف له غير هذا الحديث كما قال ابن عدي. وذكره ابن حبان في الثقات. [تهذيب التهذيب (10/74- 75) ] . وجعله الحافظ ابن حجر في مرتبة "مقبول" [تقريب التهذيب: رقم الترجمة (6536) ] .
وقد حكم أبو حاتم على هذا الإسناد بأنه إسناد لا تقوم به الحجة. [الجرح والتعديل (8/347) ] .
الطريق الثانية: هشام بن عروة، عن أبيه عنها به:
رواه أبو داود [كتاب البيوع (3/780) ] ، وابن ماجه [كتاب التجارات (2/754) ] ، والطحاوي (4/21-22) ، والدارقطني (3/53) ، والحاكم (2/14-15) وغيرهم، كلهم من طرقٍ عن مسلم ابن خالد الزنجي به، وفيه قصة.
ومسلم بن خالد الزنجي تقدم الكلام فيه وأنه ضعيف [تقدم عند حديث رقم (33) ] ، ولذا قال أبو داود في هذا الحديث عقب إخراجه له: "هذا إسناد ليس بذاك".
وقد تابع مسلم بن خالد الزنجي جرير بن عبد الحميد كما ذكر ذلك الترمذي (3/582) ، وعقبه بقوله: "يقال تدليس، دلس فيه جرير، لم يسمعه من هشام بن عروة".
وتابعه أيضاً عمر بن علي المقدسي، كما رواه البيهقي (5/322) بإسناده عنه عن هشام به، إلا أن عمر بن علي هذا مشهور بالتدليس [تعريف أهل التقديس (ص130-131) ، وقد ذكره في المرتبة الرابعة] .
فمما تقدم يتبين أن الحديث بمجموع طرقه حسن. والله أعلم.