كتاب أخبار الشيوخ وأخلاقهم

وَإِيَّاكَ وَالأُمَرَاءَ أَنْ تَدْنُوَ إِلَيْهِمْ، أَوْ تُخَالِطَهُمْ فِي شَيْءٍ مِنَ الأَشْيَاءِ، وَإِيَّاكَ أَنْ تُخْدَعَ وَيُقَالُ لَكَ: تَشْفَعُ فَتَدْرَأُ عَنْ مَظْلَمَةٍ، أَوْ تَرُدُّ مَظْلَمَةً، فَإِنَّ تِلْكَ خَدِيعَةُ إِبْلِيسَ، وَإِنَّمَا اتَّخَذَهَا فُجَّارُ الْقُرَّاءِ سُلَّمًا، كَانَ يُقَالُ: اتَّقُوا فِتْنَةَ الْعَابِدِ الْجَاهِلِ، وَالْعَالِمِ الْفَاجِرِ، فَإِنَّ فِتْنَتَهُمْ فِتْنَةٌ لِكُلِّ مَفْتُونٍ، وَمَا كُفِيتُ مِنَ الْمَسْأَلَةِ وَالْفُتْيَا، فَاغْتَنِمْ ذَلِكَ وَلا تُنَافِسْهُمْ فِيهِ.
وَإِيَّاكَ أَنْ تَكُونَ مِمَّنْ يُحِبُّ أَنْ يُعْمَلَ بِقَوْلِهِ، أَوْ يُنْشَرَ قَوْلُهُ، وَأَنْ يُسْمَعَ مِنْ قَوْلِهِ، فَإِذَا تُرِكَ ذَلِكَ مِنْهُ عُرِفَ.
وَإِيَّاكَ وَحُبَّ الرِّيَاسَةِ، فَإِنَّ الرَّجُلَ تَكُونُ الرِّئَاسَةُ أَعْجَبَ إِلَيْهِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، وَهُوَ بَابٌ غَامِضٌ لا يُبْصِرُهُ إِلا الْبَصِيرُ مِنَ الْعُلَمَاءِ السَّمَاسِرَةِ، فَتَفْقِدَ نَفْسَكَ، اعْمَلْ بِنِيَّةٍ، فَإِنَّ الْحَسَنَ كَانَ يَقُولُ: رَحِمَ اللَّهُ عَبْدًا وَقَفَ عِنْدَ هَمِّهِ، فَلَيْسَ عَبْدٌ يَعْمَلُ حَتَّى يَهُمَّ، فَإِنْ كَانَ لَهُ مَضَى، وَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ أَمْسَكَ، وَلا تَغْتَرَّ بِثَنَاءِ النَّاسِ، فَإِنَّ النِّيَّةَ لَيْسَ كُلَّ سَاعَةٍ تَقَعُ، وَإِنَّ طَاوُسًا قِيلَ لَهُ: ادْعُ لَنَا بِدَعَوَاتٍ؟ فَقَالَ: مَا أَجِدُ لِذَلِكَ الآنَ حِسْبَةً.
وَاحْذَرِ الرِّيَاءَ، فَإِنَّ الرِّيَاءَ أَخْفَى مِنْ دَبِيبِ النَّمْلِ.
وَكَانَ حُذَيْفَةُ يَقُولُ: يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ لا يَنْجُو إِلا مَنْ دَعَا بِدُعَاءِ الْغَرَقِ.
وَسُئِلَ حُذَيْفَةُ: أَيُّ الْفِتَنِ أَشَدُّ؟ فَقَالَ: أَنْ يَعْرِضَ عَلَيْكَ الْخَيْرُ وَالشَّرُّ فَلا تَدْرِي أَيَّهُمَا تَرْكَبُ.
وَقَدْ ذُكِرَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: «لا تَزَالُ يَدُ اللَّهِ عَلَى هَذِهِ

الصفحة 186

Back to Main
Last Page
Next Page
Previous Page
First Page
Download as PDF
Show as text