كتاب أصل صفة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم (اسم الجزء: 2)

..............................................................................
__________
.........................................
__________
= ما كان علي خافياً منذ ألفت هذا الكتاب المبارك - إن شاء الله تعالى - أن البخاري أخرجه من
حديث أبي هريرة، ولكني تركت عزوه إليه عمداً؛ لا جهلاً، أو على الأقل سهواً؛ كما قد يذهبان
إليه، ولو كان الأمر كما قد يظن ظان؛ لكان في هذه المدة التي مضت على طبعات الكتاب ما يكفي
ليتنبه فيها الساهي! أو يتعلم الجاهل! ولكن لم يكن شيء من ذلك والحمد لله؛ فإني كنت على
علم أن أحد رواته - وهو أبو عاصم الضَّحَّاك بن مَخْلَد النبيل، وهو ثقة - أخطأ في روايته الحديث عن
أبي هريرة؛ فإنه رواه عن ابن جُريج عن ابن شهاب عن أبي سلمة عنه مرفوعاً به. وبيان ذلك:
أن جماعة من الثقات قد رووه عن ابن جريج أيضاً بالسند المذكور عن أبي هريرة مرفوعاً، لكن
بلفظ:
" ما أذن الله لشيء ... " الحديث.
وتابع ابنَ جريج على هذا اللفظ جمعٌ أكثرُ من الثقات؛ كلهم رووه مثله عن الزهري به.
وتابع الزهريَّ عليه يحيى بن أبي كثير، ومحمد بن عمرو، ومحمد بن إبراهيم التيمي، وعمرو
ابن دينار - وكلهم ثقات أيضاً -؛ قالوا جميعاً: عن أبي سلمة عن أبي هريرة به.
فاتفاق هؤلاء الثقات الأثبات بهذا الإسناد الواحد عن أبي هريرة على رواية الحديث عنه باللفظ
الثاني؛ أكبر دليل على أن تفرد أبي عاصم بروايته باللفظ الأول إنما هو خطأ بَيَّن منه، وهذا هو
(الحديث الشاذ) المعروف وصفُه عند العلماء؛ ولذلك جزم الحافظ أبو بكر النيسابوري على أن أبا
عاصم قد وهم في هذا اللفظ؛ قال:
" لكثرة من رواه عن ابن جريج باللفظ الثاني ".
قلت: ولكثرة من رواه عن الزهري به، وكثرة من تابعه عليه عن أبي سلمة كما ذكرت؛ ولذلك
تابع الخطيب البغدادي أبا بكر النيسابوري على ما نقلته عنه، وأشار ابن الأثير في " جامعه "، ثم
الحافظ ابن حجر في " الفتح " (13/429) إلى توهيم هذا اللفظ أيضاً إشارةً لطيفة قد لا يتنبه لها
البعض، ولو تنبه؛ فلربما لم يكن عنده من الجرأة العلمية ما يُشَجِّعه على أن يخطِّئ راوياً من رواة
" الصحيح ".
هذا خلاصة التحقيق الذي كنت كتبته في " الأصل " مند نحو عشرين سنة؛ رأيت أنه لا بد
من ذكرها؛ ليعلم كل منصف إن كنت أنا الذي (قد أبعدت النُّجعة) ؛ أم أن غيري هو الذي لم يحسن
النُّجعة حينما رد عليّ بما هو خطأ عند أهل العلم بالحديث، فأراد مني أن أشاركه في خطئه، وأن
أقره ... والله المستعان. =

الصفحة 587