كتاب مجموع رسائل الحافظ ابن عبد الهادي

فصل
تكلم شيخنا على قوله تعالى: {وَلَا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ} (¬1) وعلى قوله تعالى: {أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ} (¬2)، وحكى عن بعضهم أن المعنى تخونونها بارتكاب ما حرم عليكم. قال (¬3): فجعل الأنفس مفعول يختانون، وجعل الإنسان قد خانها, أي: ظلمها. قال: وهذا فيه نظر؛ فإن كل ذنب يذنبه الإنسان فقد ظلم فيه نفسه، سواء فعله سرًّا أو علانية، وإن كان اختيان النفس هو ظلمها وارتكاب ما حرم عليها {كان كل} (¬4) مذنبٍ مختانًا لنفسه؛ وإن جهر بالذنوب، ومعلوم أن هذا اللفظ إنما استعمل في خاص من الذنوب فيما يُفعل سرًّا.
قال (¬5): ولفظ الخيانة حيث استعمل (ق 26 - ب) لا يُستعمل إلا فيما خفي عن المخون كالذي يخون أمانته فيخون من ائتمنه إذا كان لا يشاهده.
إلى أن قال (¬6): فإذا كان كذلك فالإنسان {كيف} (4) يخون نفسه، وهو لا يكتمها ما يفعله، ولا يفعله سرًّا عنها كما يخون من لا يشاهده؟
قال: والأشبه -والله أعلم- أن يكون قوله تعالى: {يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ} (1)، مثل قوله: {إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ} (¬7)، وقد ذهب الكوفيون
¬__________
(¬1) سورة النساء، الآية: 107.
(¬2) سورة البقرة، الآية: 187.
(¬3) "مجموع الفتاوى" (14/ 438 - 439).
(¬4) من "مجموع الفتاوى".
(¬5) "مجموع الفتاوى" (14/ 440).
(¬6) "مجموع الفتاوى" (14/ 441 - 444).
(¬7) سورة البقرة، الآية: 130.

الصفحة 215