كتاب تحرير المقال في موازنة الأعمال وحكم غير المكلفين في العقبى والمآل (اسم الجزء: 2)

اليوم يبدو بعضه أو كله ... فما بدا منه فلا أحله (¬1)

ومن طاف منهم في ثيابه التي جاء فيها من الحل ألقاها فلم ينتفع بها هو ولا غيره.
فقال قائل من العرب يذكر شيئا تركه من ثيابه فلم يقربه وهو يحبه:
كفى حزنا كربي عليه كأنه ... لقى بين أيدي الطائفين حريم

يقول: لا يُمس.
فكانوا كذلك حتى بعث الله محمدا - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فأنزل الله عليه حين أحكم له دينه وشرع له سنن حجه: {ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللهَ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} ... [البقرة: 199]، يعني قريشا، والناس العرب، فرفعهم في سنة الحج إلى عرفات والوقوف عليها والإفاضة منها.
وذكر عن جبير بن مطعم قال (¬2): لقد رأيت رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قبل أن ينزل عليه الوحي وإنه لواقف على بعير له بعرفات مع الناس من بين قومه حتى يدفع معهم منها توفيقا من الله له - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، قال: وأنزل الله عليه فيما كانوا حرموا على الناس من طعامهم ولبوسهم عند البيت حين طافوا به عراة وحرموا ما جاؤوا به من الحل من الطعام: {يَا بَنِي آَدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ
¬_________
(¬1) رواه الحاكم (2/ 350) عن ابن عباس وصححه على شرطهما.
(¬2) السيرة النبوية (1/ 127).

الصفحة 508