كتاب تحرير المقال في موازنة الأعمال وحكم غير المكلفين في العقبى والمآل (اسم الجزء: 2)

وقد ذكر الله تعالى في كتابه العزيز كونهما في الغار حيث قال: {إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللهَ مَعَنَا} [التوبة: 40].
فأخبر سبحانه بأنهم أخرجوه من مكة، وأخبر بأنه - عليه السلام - كان يشجع صاحبه في الغار وينهاه عن الحزن ويخبره (¬1) بأن الله معهما، يعني بذلك أن الله يأخذ بأعين قريش عنهما عند اتباعهم لهما حتى (¬2) لا يعثروا على موضعهما.
يدل على هذا التأويل أن أنس بن مالك روى عن أبي بكر قال: قلت للنبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ونحن في الغار: لو أن أحدهم ينظر إلى قدميه لأبصرنا تحت قدميه, قال: «يا أبا بكر ما ظنك باثنين الله ثالثهما» (¬3).
وليس معنى قوله: {إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا} [التوبة: 40] أنهم أخرجوه حقيقة بأن أزعجوه عن مكة حتى خرج منها جهارا، وإنما معناه أنهم اضطروه إلى الخروج بالتكذيب له والاستهزاء به والتتبع لأمره، وذلك هو معنى قوله - عليه السلام - في الحديث المتقدم: «ولولا أن قومي أخرجوني منك ماخرجت».
¬_________
(¬1) في (ب): ويخبر.
(¬2) في (ب): على، وهو تصحيف.
(¬3) رواه البخاري (3453 - 3707 - 4386) ومسلم (2381) والترمذي (3096) وأحمد (1/ 4) وابن حبان (6278 - 6869) وابن أبي شيبة (8/ 459) والبزار (36) وأبو يعلى (66) وغيرهم عن أنس عن أبي بكر.

الصفحة 520