كتاب تحرير المقال في موازنة الأعمال وحكم غير المكلفين في العقبى والمآل (اسم الجزء: 2)

يلزمهم الكفر به إذا (¬1) لم يجيبوه ويؤمنوا به, وقد أطلق الله تعالى عليهم اسم الكفر في جاهليتهم، وما ذاك إلا لعبادتهم الأوثان, وكانت اليهود حينئذ (¬2) مؤمنين بشريعتهم، وإنما لزمهم التكفير بعد بكونهم عاندوا الحق وكفروا بالنبي - عليه السلام - بعد معرفتهم به بين ذلك بقوله: {فَلَمَّا جَاءهُم مَّا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّه عَلَى الْكَافِرِينَ} [البقرة: 89].
فالعجب كيف انعكست الحال في الإسلام, فصار الكفار من أهل يثرب مؤمنين بالشريعة التي جاء بها محمد - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - , وصار اليهود المؤمنون بشريعتهم قبل (¬3) كفارا بهذه الشريعة (الناسخة لجميع الملل) (¬4) , ثم ينعطف عليهم التكذيب بشريعتهم ويلزمهم الكفر بها من حيث إنهم يجدون صفة (ق.117.أ) محمد - عليه السلام - في التوراة, وهم مأمورون فيها بالإيمان به - عليه السلام - , فإذا لم يمتثلوا ذلك انسلخوا من شريعتهم زائدا على الانسلاخ من هذه الشريعة.
وقد جاء في التفسير (¬5) أن الذين كفروا المذكورين في قوله: {يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا} [البقرة: 89] هم العرب من غير أن يخص منهم أهل يثرب (¬6) , وذلك أن ابن عباس قال: كانت العرب في الجاهلية يمرون على
¬_________
(¬1) في (ب): إذ.
(¬2) في (ب): إذ ذاك.
(¬3) في (ب) بدل "قبل": حينئذ.
(¬4) في (ب) مكان ما بين القوسين: التي جاء بها محمد - عليه السلام -.
(¬5) تفسير ابن جرير (1/ 456 - 457).
(¬6) في (ب): يخص بذلك أهل يثرب ولا غيرهم.

الصفحة 589