كتاب تفسير العثيمين: يس

والجلود بما مست، فإن الجلد يمس المحرمات كمس المرأة لشهوة مثلًا فتشهد عليهم الجوارح؛ ولهذا قال عز وجل: {وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ} نفس اليد تتكلم تقول: عملت كذا، عملت كذا، {وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ} نفس الأرجل تقول: أشهد أنه عمل كذا وكذا، وتأمل الفرق بين اليد والرجل، في اليد قال الله تعالى: {وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ} والأرجل قال: {وَتَشْهَدُ} قال بعض العلماء: لأن اليد تخبر عما فعلت، والرجل تخبر عما فعل غيرها؛ لأن الأصل في المباشرة اليد، ولهذا دائمًا يعلق الكسب باليد فيقال: {فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ} (¬١) أو {بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ} (¬٢) فلهذا كانت الأيدي مباشرة، والأرجل شاهدة؛ لأن الشاهد هو الذي يخبر عما فعل غيره، والفاعل هو الذي يخبر عما فعله هو بنفسه -هكذا قال بعض أهل العلم- وهو فرق لا بأس به، مع أن الإنسان قد يشهد على نفسه كقوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ} (¬٣) فإقرار الإنسان على نفسه شهادة عليه، لكن الفرق الذي أشار إليه بعض العلماء وذكرناه آنفًا فرق لا بأس به، قول المؤلف: [وتشهد أرجلهم وغيرها] قوله: (وغيرها) لا يعني ذلك أنه يستدرك على القرآن، لكنه ينبه على موضع آخر من القرآن، ففي آية أخرى بين الله تعالى أنه تشهد عليهم الجلود {حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ
---------------
(¬١) سورة الشورى، الآية: ٣٠.
(¬٢) سورة الروم، الآية: ٤١.
(¬٣) سورة النساء، الآية: ١٣٥.

الصفحة 230