كتاب العدة في شرح العمدة في أحاديث الأحكام لابن العطار (اسم الجزء: 2)

الحديث الثالث
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-: أَن نَبِي اللهِ - صلى الله عليه وسلم - رَأَى رَجُلًا يَسوقُ بَدَنَةً، فَقَالَ: "اِرْكَبْهَا"، قَالَ: إنَّهَا بَدَنة! قَالَ: "اِرْكَبْهَا"، فَرَأَيْتُهُ رَاكِبَهَا يُسَايِرُ النبِي - صلى الله عليه وسلم -. وفي لفظٍ: قَالَ في الثانِيةِ أو في الثالِثَةِ: "اِرْكَبْهَا، وَيْلَكَ، أَوْ: وَيْحَكَ! " (¬1).
أما الرجل المبهم: فلا أعلمه مسمًّى.
وأَما البَدَنَةُ: فهي هنا من الإبل، وتستعمل في البقر والغنم لغةً، وتطلق على الذكر والأنثى، وجمعها: بُدْنٌ، بإسكان الدال وضمها، وبالإسكان جاء القرآن، وسُمّيت بدنةَ؛ لعظمها وسمنها؛ لأنهم كانوا يسمنونها للإهداء (¬2).
وقوله: "وَيْلَكَ! ": قال الجوهري (¬3): الوَيْلُ: كلمةُ عذاب، وهو منصوب بفعل مضمر، وكذلك: ويحك، وتستعمل ويلك في المخاطبة للتغليظ على المخاطب، واستحقَّ المخاطبةَ به لتأخرِه عن امتثال الأمر حتى روجع مرةً أو مرتين، وقد يخاطب بها من غير قصد إلى معناها وموضعها على عادة العرب في ذلك؛ كقولهم: ويحه، وويله، وقد ورد نحو هذا في الحديث، في قوله - صلى الله عليه وسلم -: "تَرِبَتْ يَدَاكَ" (¬4)، وأفلح وأبيهِ (¬5).
وقولُه: " أَوْ: ويحكَ": هو شكٌّ من الراوي، هل قال: ويلك، أو: ويحك، قال الحسن البصري - رحمه الله -: ويح كلمة رحمة (¬6)، وقال أبو الفرج بن
¬__________
(¬1) رواه البخاري (1604)، كتاب: الحج، باب: ركوب البدن، ومسلم (1322)، كتاب: الحج، باب: جواز ركوب البدنة المهداة لمن احتاج إليها.
(¬2) انظر: "الزاهر في غريب ألفاظ الشافعي" للأزهري (ص: 185)، و"العين" للخليل (8/ 51)، و"تحرير ألفاظ التنبيه" للنووي (ص: 144).
(¬3) نظر: "الصحاح" للجوهري (5/ 1846)، (مادة: ويل).
(¬4) رواه البخاري (4802)، كتاب: النكاح، باب: الأكفاء في الدين، ومسلم (1466)، كتاب: الرضاع، باب: استحباب نكاح ذات الدين، عن أبي هريرة - رضي الله عنه -.
(¬5) تقدم تخريجه في حديث طلحة بن عبيد الله - رضي الله عنه - في قصة الأعرابي الذي سأل عن الإسلام وما يجب عليه.
(¬6) رواه ابن حبان في "الثقات" (9/ 197)، وابن عبد البر في "التمهيد" (2/ 141).

الصفحة 1032