كتاب العدة في شرح العمدة في أحاديث الأحكام لابن العطار (اسم الجزء: 2)
الحديث السابع
عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا-: أَنَّ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: "اللَّهُمَّ ارْحَم المُحَلِّقِينَ" قَالُوا: يَا رسُولَ اللهِ! وَالمُقَصِّرِيَن، قالَ: "اللَّهُمَّ ارْحَمِ المُحَلِّقِينَ"، قَالُوا: يَا رسُولَ اللهِ! وَالمُقَصِّرِينَ، قَالَ: "وَالمُقَصِّرِينَ" (¬1).
هذا الدعاء للمحلِّقين مكررًا، دون المقَصِّرين، قد وردت روايات في "صحيح مسلم" عن أمِّ الحُصَيْنِ - رضي الله عنها -: أنه كان في حجة الوداع (¬2)، وروي في غيره: أنه كان يوم الحديبية من رواية ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: قالت: حلق رجل يوم الحديبية، وقصر آخرون، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "اللَّهُمَّ ارْحَمِ المُحَلِّقِينَ" ثلاثًا، قيل: يا رسول الله! ما بالُ المُحَلِّقينَ ظاهرتَ لَهُمْ بالرحم؟ قال: "لأنهم لم يَشُكُّوا" (¬3).
قال ابن عبد البر: وكونه في الحديبية هو المحفوظ (¬4)، قال القاضي عياض -رحمه الله تعالى-: ولا يبعد أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قاله في الموضعين (¬5).
وتكرير النبي - صلى الله عليه وسلم - الدعاء للمحلِّقين؛ لأنهم بادروا إلى امتثال الأمر، وأتمُّوا فعل ما أمروا به من الحلق. وقد صرح بهذا المعنى في بعض روايات الحديث المروية عن ابن عباس - رضي الله عنه - حيث قال: "لأنهم لم يشكوا".
واعلم: أن معنى فضيلة الحلق على التقصير؛ أنه أبلغ في العبادة، وأدلُّ على صدق النية في التذلل لله تعالى؛ لأن المقصِّر مبقٍ على نفسه الشعر الذي هو
¬__________
(¬1) رواه البخاري (1640)، كتاب: الحج، باب: الحلق والتقصير عند الإحلال، ومسلم (1301)، كتاب: الحج، باب: تفضيل الحلق على التقصير، وجواز التقصير.
(¬2) رواه مسلم (1303)، كتاب: الحج، باب: تفضيل الحلق على التقصير، وجواز التقصير.
(¬3) رواه ابن ماجه (3045)، كتاب: المناسك، باب: الحلق، والإمام أحمد في "المسند" (1/ 353)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (13618)، والطحاوي في "شرح معاني الآثار" (2/ 255)، وأبو يعلى في "مسنده" (2718)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (5/ 215).
(¬4) انظر: "التمهيد" لابن عبد البر (15/ 233 - 234).
(¬5) انظر: "شرح مسلم" للنووي (9/ 51).