كتاب العدة في شرح العمدة في أحاديث الأحكام لابن العطار (اسم الجزء: 2)

الإفاضة، وسواء كان قارنًا أو مفردًا، وقال ابن الجهم المالكي: لا يحلق القارن حتى يطوف ويسعى؛ لأنه يرى أن حجه وعمرته قد تداخلا، والعمرة باقية في حقه، وهي لا يجوز الحلق فيها قبل الطواف.
وقد أشار إلى هذا قوله - صلى الله عليه وسلم - في القارن: "حتى يحلَّ منهما جميعًا" (¬1)؛ فإنه يقتضي أن الإحلال منهما يكون في وقت واحد، فإذا حلق قبل الطواف، فالعمرة قائمة؛ بهذا الحديث، فيقع الحلق فيها قبل الطواف، وردَّ عليه شيخنا أبو زكريا النووي -رحمه الله تعالى-، وقال: هذا باطل بالنصوص وإجماع من قبله، وقد ثبت الأحاديث؛ بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - حلق قبل طواف الإفاضة، وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قارنًا في آخر مرة (¬2)، قال شيخنا أبو الفتح بن دقيق العيد - رحمه الله -: وهذا إنما ثبت بأمر استدلالي لا نصِّي؛ أعني: كونه - صلى الله عليه وسلم - كان قارنًا في آخر أمره.
وابن الجهم على مذهب مالك والشافعي، حيث قالا: إن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان مفردًا أولًا. وأما الإجماع، فبعيد الثبوت إن أراد الإجماع النقلي القولي، وإن أراد السكوتي، ففيه نظر، وقد ينازع فيه -أيضًا-، والله أعلم (¬3).
* * *

الحديث الثامن
عَنْ عَائشِةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهَا- قَالَتْ: حَجَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - فَأَفَضْنا يَوْمَ النَّحْرِ، فَحَاضَتْ صَفِيَّةُ، فَأَرَادَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - مَا يُريدُ الرَّجُلُ مِنْ أَهْلِهِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ! إنَّها حَائِضٌ، قَالَ: "أَحَابِسَتُنَا هِيَ؟ "، قالوا: يَا رَسُولَ اللهِ! أفَاضَتْ يَوْمَ النَّحْرِ، قال: "اخْرُجُوا" (¬4).
¬__________
(¬1) رواه البخاري (1481)، كتاب: الحج، باب: كيف تهل الحائض والنفساء، ومسلم (1211)، كتاب: الحج، باب: بيان وجوه الإحرام، عن عائشة - رضي الله عنها -.
(¬2) انظر: "شرح مسلم" للنووي (9/ 51 - 52).
(¬3) انظر: "شرح عمدة الأحكام" لابن دقيق (3/ 78).
(¬4) رواه البخاري (1646)، كتاب: الحج، باب: الزيارة يوم النحر.

الصفحة 1065