كتاب العدة في شرح العمدة في أحاديث الأحكام لابن العطار (اسم الجزء: 3)
يَا عَيْنُ جُودِي بِدَمْعٍ غَيْرِ مَمْنُونِ ... عَلَى رَزِيَّةِ عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونِ
على امْرئٍ باتَ في رِضوانِ خَالِقِهِ ... طُوبى لَهُ مِنْ مقيد الشخصِ مَدْفُونِ
طابَ البقيعُ لَهُ سُكْنَى وغَرْقَدُهُ ... وأَشْرَقَتْ أَرْضُهُ مِنْ غَيْرِ تَعْيينِ
وأَوْرَثَ القلبَ حُزْنًا لَا انقطَاعَ لَهُ ... حتَّى المَمَاتِ فَمَا ترقى لَهُ شُوني (¬1)
وأمَّا التَّبَتُّل: فهو ترك النكاح انقطاعًا إلى عبادة الله تعالى.
وأصل التبتل: القطع، ومنه قيل لمريم: البتول، ولفاطمة - عليها السلام -: البتول؛ لانقطاعهما عن نساء زمانهما؛ دينًا وفضلًا ورغبة في الآخرة، ومنه: صدقة بتلة؛ أي: منقطعة عن تصرف مالكها.
وقال الطبري: التبتل: هو ترك لذات الدنيا وشهواتها، والانقطاعُ إلى الله تعالى، بالتفرغ لعبادته، ومعنى رد عليه التبتل: نهاه (¬2).
ولا شك أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إنما ردَّه عليه؛ لأمور زائدة على مجرد التخلي للعبادة مما هو داخل في باب التنطع والتشبيه بالرهبانية؛ لا أن ظاهر الحديث، يقتضي تعليق الحكم بمسمى التبتل؛ فإن التبتل القاطع عن الحقوق الواجبة؛ من حقِّ زوجة وغيرها، أو المضر بالشخص، فإنه ممنوع.
وأما التَّبتل الحامل على الأغراض من الشهوات واللذات من غير إضرار بنفسه، ولا تفويت حق لزوجة، ولا غيرها، ففضيلة لا منع منه، بل هو مأمور به، وهو معنى قوله تعالى: {وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا} [المزمل: 8]؛ أي:
¬__________
(¬1) رواه أبو نعيم في "حلية الأولياء" (1/ 106). وانظر ترجمته في: "الطبقات الكبرى" لابن سعد (3/ 393)، و "التاريخ الكبير" للبخاري (6/ 210)، و "الثقات" لابن حبان (3/ 260)، و "المستدرك" للحاكم (3/ 209)، و "حلية الأولياء" لأبي نعيم (1/ 102)، و" الاستيعاب" لابن عبد البر (3/ 1053)، و "صفة الصفوة" لابن الجوزي (1/ 449)، و "أسد الغابة" لابن الأثير (3/ 589)، و "تهذيب الأسماء واللغات" للنووي (1/ 300)، و "سير أعلام النبلاء" للذهبي (1/ 153)، و "الإصابة في تمييز الصحابة" لابن حجر (4/ 461)، و "تعجيل المنفعة" له أيضًا (ص: 283).
(¬2) انظر: "شرح مسلم" للنووي (9/ 176).