كتاب العدة في شرح العمدة في أحاديث الأحكام لابن العطار (اسم الجزء: 1)
الحديث السَّادس
عن عبدِ اللهِ بنِ عبَّاسٍ - رضي الله عنهما - قالَ: مر النبي - صلى الله عليه وسلم - بقبرَين فقالَ: "إنَّهُما لَيُعَذبَانِ، وَمَا يُعَذَّبَانِ في كَبِيرٍ، أَمَّا أَحَدُهُما، فَكَانَ لا يَسْتنَزِهُ مِنَ البَوْلِ، وأَمَّا الآخَرُ، فَكَانَ يَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ"، فأخذَ جريدةً رطبةً، فشقها نصفين، فغرزَ في كل قبر واحدةً، فقالوا: يا رسولَ الله! لم فعلتَ هذا؟ قالَ: "لَعَلَّهُ يُخَفَّفُ عَنْهُما مَا لَمْ ييبَسَا" (¬1).
أما عبدُ اللهِ بنُ عباسِ بنِ عبدِ المطلبِ، ابنُ عمِّ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم -، فكنيتُه: أبو العباس، وهو أحدُ العبادلة الأربعة كما تقدم ذكرُه في الحديث قبله، كانَ يُقالُ له: الحَبْرُ، والبَحْرُ، دعا له رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - بالحكمة والتَّفَقُّه في الدين وتعلم التأويل، فأخذ عنه الصحابة -رضي الله عنهم- ذلك.
وقال ابن مسعود - رضي الله عنه -: هو تَرْجُمانُ القرآن (¬2)، ودَعا له -أيضًا- صلى الله عليه وسلم - فقال: "اللهُمَ بارِكْ فِيهِ وَانْشُرْ مِنْهُ، وَاجْعَلْهُ مِنْ عِبَادِكَ الصالحِينَ، اللهُمَّ زِدْهُ عِلْمًا وَفِقْها" (¬3)، قال أبو عمر: كلها أحاديثُ صِحاحٌ، قال: وقال مجاهدٌ عن ابن عباس: رأيتُ جبريلَ - صلى الله عليه وسلم - مرتين، ودعا لي بالحكمة مرتين (¬4).
وكان عمرُ بنُ الخطاب - رضي الله عنه - يحبه ويُدنيه ويقربه ويُشاوره، ويقول: هو فتى الكُهول، له لسانٌ سؤول، وقلبٌ عَقول (¬5).
¬__________
(¬1) رواه البخاري (213)، كتاب: الوضوء، باب: من الكبائر ألا يستتر من بوله، ومسلم (292)، كتاب: الطهارة، باب: الدليل على نجاسة البول ووجوب الاستبراء منه.
(¬2) رواه ابن سعد في "الطبقات الكبرى" (2/ 366)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (32220)، والحاكم في "المستدرك" (6291)، والخطيب في "تاريخ بغداد" (1/ 174).
(¬3) ذكره بهذا السياق: ابن عبد البر في "الاستيعاب" (3/ 935). ورواه يعقوب بن سفيان في "المعرفة والتاريخ" (1/ 284) بلفظ: "اللهم آته الحكمة أو قال: اللهم زده علمًا.
(¬4) رواه ابن أبي عاصم في "الآحاد والمثاني" (378)، والطبري في "تهذيب الآثار" (1/ 167)، والطبراني في "المعجم الكبير" (10615).
(¬5) رواه عبد الرزاق في "المصنف" (8123)، والطبراني في "المعجم الكبير" (10620)،=