كتاب العدة في شرح العمدة في أحاديث الأحكام لابن العطار (اسم الجزء: 3)
عن عمران بن الحصين وعائشةَ -رضي الله عنهم- عن النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم -: أنَّه قال: "لا نذرَ في معصيةٍ، وكفارتُه كفارةُ يمين" (¬1)، وهو حديث ضعيف باتفاق المحدثين، وتقدم عدم الملك في النذر، والكلام عليه قريبًا، والله أعلم.
وفي "صحيح مسلم": أن النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم -: قال: "كفارةُ النذرِ كفارةُ اليمينِ" (¬2). وهذا مطلق في كل نذر، ولم يقل به أحد فيما روي عنه، وهو محمول عنده، وعند بعض أصحاب الشَّافعيّ على نذر المعصية.
وحمله جمهور الشافعية على نذر اللِّجاج، وهو أن يقول: إن كلمتُ زيدًا -مثلًا- فلله على كذا، فيكلمه، فهو بالخيار بين كفارة يمين، وبين ما التزمه.
وحمله مالك وكثيرون أو أكثرون، وجماعة من فقهاء أصحاب الحديث على النذر المطلق، فيدخل فيه جميع أنواع النذر، وقالوا: هو غير في جميع المنذورات بين الوفاء بما التزمه، ويين كفارة يمين، وهذا هو الراجح المختار، والله أعلم.
ومنها: تغليظ التحريم في لعن المؤمن ووجوب احترامه ورعايته؛ حيث إن الأيمان سبب للقرب من الله تعالى، وتقريب المؤمن هو سبب إيمانه، فمن قصد بعده من الله -عَزَّ وَجَلَّ-، أو دعا به عليه، فقد راغم ما جعله الله تعالى سببًا لقربه. ومن راغم جعل الله -عَزَّ وَجَلَّ-، فأقلُّ درجاته أن يكون فعلُه محرَّمًا، وإن لم يكن كفرًا مطلقًا، فهو مقيد، والله أعلم.
ومنها: تحريم الدعوى تكثرًا كاذبًا، وذمُّ التكثر والكذب، وتحريم تعاطي أسباب القلة المعنوية؛ حيث إن من لم يفعل ذلك، يزيده الله بسبب فعله القلة؛ مراغمة لقصده الكثرةَ غيرَ المأذون فيها، والله أعلم.
¬__________
(¬1) رواه أبو داود (3290)، كتاب: الأيمان والنذور، باب: من رأى عليه كفارة إذا كان في معصية، والنَّسائيّ (3835)، كتاب: الأيمان والنذور، باب: كفارة النذر، والتِّرمذيّ (1525)، كتاب: النذور والأيمان، باب: ما جاء عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن لا نذر في معصية، وقال: غريب، وابن ماجه (2125)، كتاب: الكفارات، باب: النذر في المعصية.
(¬2) رواه مسلم (1645)، كتاب: النذر، باب: في كفارة النذر، عن عقبة بن عامر -رَضِيَ الله عَنْهُ-.