كتاب العدة في شرح العمدة في أحاديث الأحكام لابن العطار (اسم الجزء: 1)
وهو ثابت بالكتاب، والسنة، وإجماع الأمة.
وأمَّا الصَّعيد، فالمراد به: التراب، وهو مذهب الأكثرين.
وقيل: هو جميع ما صَعِدَ على الأرض.
واعلم أن: اعتزالَ الرجل -المذكور في الحديث- الناسَ، وتركَ الصلاة فيهم، لا يخلو؛ إمَّا أن يكون في المسجد؛ وهو الظاهر، أو خارجه:
فإن كان خارجه، فيكون الرجل قد لزمَ الأدب والسنة في ترك جلوسه عند المصلين إذ لم يصلِّ معهم.
وإن كان في المسجد، فقد قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لمن رآه جالسًا في المسجد، والناس يصلون: "ما مَنَعَكَ أَنْ تُصَلِّيَ مَعَ النَّاسِ، أَلَسْتَ بِرَجُلٍ مُسْلِمٍ؟! " (¬1)؛ وهذا الإنكار؛ لشدة قبح الصورة في ترك الصلاة جالسًا، والناس يصلون.
أمَّا أن يترك الصلاةَ جنبًا، لابثًا في المسجد، عالمًا بتحريمه، مع تقرير عليه من غير إنكار، وتبيين الحكم له؛ فلا يجوز ذلك على مذهب جماهير العلماء؛ استدلالًا بقوله - صلى الله عليه وسلم -: "لا أُحِلَّ المسجِدَ لجُنُبٍ، ولا حَائِضٍ" (¬2).
وجوز أحمد: المكثَ فيه للجنب، وضعَّف هذا الحديثَ؛ لجهالة رواته، وبه قال المزني.
لكنه مخالف لظاهر القرآن العزيز، في قوله تعالى: {وَلَا جُنُبًا إلا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا} [النساء: 43]؛ بمعنى: لا تقربوا الصلاة، ولا مواضعَها المعدَّةَ لها، إلا عابري سبيل مجتازين، غيرَ لابثين، للخروج من المساجد؛ إذا كنتم جنبًا، فقد أبيح العبور فيها من غير لُبْث.
¬__________
(¬1) رواه الإمام مالك في "الموطأ" (1/ 132)، ومن طريقه الإمام الشافعي في "مسنده" (ص: 214)، والإمام أحمد في "المسند" (4/ 34)، والنسائي (857)، كتاب: الإمامة، باب: إعادة الصلاة مع الجماعة بعد صلاة الرجل لنفسه، عن محجن الديلي - رضي الله عنه -.
(¬2) رواه أبو داود (232)، كتاب: الطهارة، باب: في الجنب يدخل المسجد، وابن خزيمة في "صحيحه" (1327)، وإسحاق بن راهويه في "مسنده" (1783)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (2/ 442)، عن عائشة - رضي الله عنها -.