كتاب العدة في شرح العمدة في أحاديث الأحكام لابن العطار (اسم الجزء: 1)
ثم اعلم أن كيفية شفاعته - صلى الله عليه وسلم -: أنه يشفع أولًا في إراحة الخلق من الموقف، والفصل بين العباد، وهذا هو المقامُ المحمودُ الذي ادَّخره الله تعالى له، وأعلمه أنه يبعثه فيه.ثم بعد ذلك حلَّت الشفاعة في أمته - صلى الله عليه وسلم -، وفي المذنبين، وحلت شفاعة الأنبياء، والملائكة، وغيرهم -صلوات الله وسلامه عليهم-.
ثم تمييز المؤمنين من المنافقين، ثم حلول الشفاعة، ووضع الصراط، وهذه شفاعة في المؤمنين المذنبين على الصراط؛ وهي لنبينا - صلى الله عليه وسلم -، ولغيره.
ثم الشفاعة فيمن دخل النار، وهذا مما تقتضيه مجموع الأحاديث، والله أعلم.
قوله - صلى الله عليه وسلم -: "وكانَ النبيُّ يُبعثُ إلى قومِه، وبُعثتُ إلى الناسِ كافَّةً":
تقدم الكلام على نوح - صلى الله عليه وسلم -، والاعتراض به على هذا في كونه بعث إلى أهل الأرض، والجواب عنه.
وفي هذه الرواية: أنه - صلى الله عليه وسلم - بُعِثَ إلى الناس كافة، وهي تقتضي: تخصيص البعثة إلى الناس، دونَ غيرهم، وليس الأمر كذلك؛ فإنه - صلى الله عليه وسلم - ذكر ذلك في معرض امتنان الله تعالى عليه، لكنه لا تُنفَى زيادةُ الامتنان ببعثَتِه إلى غيرهم؛ فإنه - صلى الله عليه وسلم - بعث إلى الأبيض والأسود.
وروى مسلم في "صحيحه": أنه - صلى الله عليه وسلم - قال: "وبُعِثْتُ إلى كلِّ أحمرَ وأسودَ" (¬1).
قيل: المراد بالأحمر: البيضُ من العجم، وغيرِهم، وبالأسودِ: العربُ؛ لغلبة السُّمرة فيهم، وغيرهم منَ السودان.
وقيل: المراد بالأسود: السودان، وبالأحمر: من عداهم من العرب، وغيرهم.
¬__________
(¬1) رواه مسلم (521) (1/ 370)، في أول كتاب: المساجد ومواضع الصلاة.