كتاب العدة في شرح العمدة في أحاديث الأحكام لابن العطار (اسم الجزء: 2)
قدر معلوم يجوز أن يكون مثل هذا وأقل وأكثر، فإن قيل: في قوله - صلى الله عليه وسلم -: "ومن شهدَها حتى تدفن، فله قيراطان" ما يقتضي أن القيراطين يحصلان بشهودها ودفنها، أحدهما: بالشهود، وهو اتباعها، والثاني: بدفنها، فيكون حينئذٍ له بالصلاة والاتباع والدفن ثلاثة قراريط، قلنا: هذا مردود بما ثبت في "صحيح البخاري" في أوائل كتاب الإيمان منه، وهو: أن القيراط الثاني على مجموع الشهود والدفن، ولا يحصل بهما قيراطان أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "من شهدَ جنازةَ وكانَ معها حتى يصلَّى عليها، ويفرغَ من دفنها، رجعَ من الأجر بقيراطين" (¬1)، وهذا صريح في أن المجموع بالصلاة والاتباع وحضور الدفن قيراطان، وقد سبق مثل هذا في باب المواقيت في حديث: "مَنْ صلَّى العشاءَ في جماعة، فكأنَّما قامَ نصفَ الليل، ومن صَلَّى العشاءَ والصُّبحَ في جماعة، فكأنَّما قامَ الليلَ كلَّه" (¬2).
وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "حتى تدفن"، وفي رواية في "صحيح البخاري ومسلم": "حتى يُفْرَغَ من دفنِها" (¬3) دليلٌ على أن القيراط الثاني لا يحصل إلَّا لمن دام معها من حين صَلَّى إلى أن فرغ من دفنها، وهذا الصحيح عند أصحاب الشافعي، وقال بعض أصحابه: يحصل القيراط الثاني إذا ستر الميت في القبر باللَّبِنِ، وإن لم يُلْق عليه التراب، وفي وجه لهم: أنه يحصل بمجرد الوضع في اللَّحد، وإن لم يلق عليه التراب، والله أعلم.
وفي قوله - صلى الله عليه وسلم -: "من شهد الجنازة حتى يصلَّى عليها" ما يؤذِنُ بما ورد في
¬__________
= ماشية، ومسلم (1574)، كتاب: المساقاة، باب: الأمر بقتل الكلاب، عن ابن عمر - رضي الله عنهما -.
(¬1) رواه البخاري (47)، كتاب: الإيمان، باب: اتباع الجنائز من الإيمان.
(¬2) رواه مسلم (656)، كتاب: المساجد ومواضع الصلاة، باب: فضل صلاة العشاء والصبح في جماعة، عن عثمان بن عفان - رضي الله عنه -.
(¬3) تقدم تخريجه.