كتاب العدة في شرح العمدة في أحاديث الأحكام لابن العطار (اسم الجزء: 2)
ستون صاعًا، والصاع أربعة أمداد، والمد رطل وثلث بالعراقي، وفي رطل العراق أقوال، أظهرها: أنه مئة درهم وثمانية وعشرون درهمًا وأربعة أسباع درهم، وقيل: مئة وثمانية وعشرون بلا أسباع، وقيل: مئة وثلاثون، فالأوسق الخمسة: ألف وست مئة رطل بالبغدادي (¬1)، وهل هذا التقدير بالأرطال تقريب أم تحديد؟ وجهان لأصحاب الشافعي:
أصحهما: تقريب، فإذا نقص عن ذلك يسيرًا، وجبت الزكاة، لكن ظاهر الحديث أن النقصان مطلقًا مؤثر في عدم الوجوب، لكنه غير مؤثر عرفًا، لعدم منعه إطلاق الاسم بنقص اليسير.
والثاني: تحديد، فمتى نقص شيئًا، وإن قل، لم تجب الزكاة.
وفي هذا الحديث فائدتان:
إحداهما: وجوب الزكاة في هذه المحدودات من الدراهم والإبل والحبوب.
والثانية: عدم الزكاة فيما دون المحدود، ولا خلاف بين العلماء في ذلك، إلا ما قاله أبو حنيفة وبعض السلف: أنه تجب الزكاة في قليل الحب وكثيره، واستدل له بقوله - صلى الله عليه وسلم -: "فيما سَقَتِ السَّماءُ العشرُ، وما سُقي بنضحٍ أو دالية، ففيه نصفُ العشر" (¬2)، وهذا عام في القليل والكثير، والجواب عن ذلك بأن المقصود من الحديث بيانُ قدر المخرَج، لا قدر المخرَج منه، ولا شك أن هذا يرجع إلى قاعدة أصولية، وهي: أن الألفاظ العامة ترد بوضع اللغة على ثلاثة أنحاء:
أحدها: ما يظهر فيها قصد التعميم؛ بأن يرد مستنده على سبب لقصد تأسيس القواعد.
¬__________
(¬1) انظر: "المُغرب" للمطرزي (2/ 354)، و"النهاية في غريب الحديث" لابن الأثير (5/ 184)، و"تحرير ألفاظ التنبيه" للنووي (ص: 110)، و"لسان العرب" لابن منظور (10/ 379)، و"القاموس" للفيروز أبادي (ص: 1199)، (مادة: وسق).
(¬2) رواه البخاري (1412)، كتاب: الزكاة، باب: العشر فيما يسقى من ماء السماء، وبالماء الجاري، عن ابن عمر - رضي الله عنهما -.