كتاب العدة في شرح العمدة في أحاديث الأحكام لابن العطار (اسم الجزء: 2)
المواطن، وليس في النَّهي عن الثَّلاثة تصريحٌ بإباحة اليوم أو اللَّيلة أو البريد.
قال البيهقيُّ: كأنه - صلى الله عليه وسلم - سُئل عن المرأة، تسافر ثلاثًا بغير محرم، فقال: "لَا"، وَعَنْ يَوْمَيْنِ، فقال: "لَا"، وَعَنْ يَوْمٍ، فقال: "لَا"، وَكَذلكَ البريد، فأدَّى كلٌّ منهم ما سمعه (¬1)، وما جاء منها مختلفًا، عن راو واحد، فسمعه في مواطن، يروي تارة هذا، وتارة هذا، وكلُّه صحيح، وليس في هذا كلّه تحديد لأقلِّ ما يقع عليه اسم السَّفر، ولم يُرد - صلى الله عليه وسلم - تحديدَ أقل ما يسمَّى سفرًا، فالحاصل: أن كلَّ ما يسمى سفرًا تنتهي عنه المرأة بغير زوج أو محرم، سواء كان ثلاثة أيَّام، أو يومين، أو يومًا، أو بريدًا، أو غير ذلك؛ لرواية ابن عبَّاس - رضي الله عنهما - المطلقة، وهي آخر روايات مسلم السَّابقة: "لا تسافر المرأة إلَّا مع ذي محرم"، وهذا يتناول جميع ما يسمَّى سفرًا، والله أعلم.
واعلم: أنَّه لا بدَّ من تبيين المَحْرَمِ، ومعرفة حدِّه، وحقيقته:
قال العلماء من الشَّافعية: المحرم من النِّساء التي يجوز النَّظر إليها والخلوة بها، والمسافرة بها: كلُّ من حرم نكاحها على التَّأبيد بسبب مباح؛ لحرمتها، فقولنا: على التأبيد احتراز من أخت المرأة، وعمتها وخالتها ونحوهنَّ.
وقوله: بسبب مباح: احتراز من أمِّ الموطوءة بشبهة، وبنتها، فإنَّهما يحرَّمان على التَّأبيد وليستا محرَّمتين؛ لأن وطء الشُّبهة لا يوصف بالإباحة؛ حيث إنَّه ليس بفعل مكلَّف.
وقولنا: لحرمتها، احتراز من الملاعنة؛ فإنَّها محرَّمة على التأبيد بسبب مباح، وليست محرمًا؛ لأن تحريمها ليس لحرمتها، بل عقوبة وتغليظًا، والله أعلم.
أمَّا قوله - صلى الله عليه وسلم -: "لَا يَحِلُّ لامْرَأَةٍ"، فهو عامٌّ في كلِّ امرأة، سواء الشَّابة والعجوز.
وحكى القاضي عياض عن الباجي من المالكيَّة: أنَّه قال: هذا عندي في
¬__________
(¬1) انظر: "السنن الكبرى" للبيهقي (3/ 139).