تقول في رجل ورث مالا حلالا، فأراد أن يخرج من جميعه إلى اللّه زهدا في الدنيا ورغبة فيما عنده؟ قال: لا تفعل. قال ابن شريح: فقلت لعمرو: سبحان اللّه لا يفعل لا يزهد في الدنيا؟! قال عمرو بن الحارث: ما أدب اللّه عز وجل به نبيه أفضل من ذلك، قال اللّه تبارك وتعالى: وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَحْسُوراً
ولكن يقدم بعضا، ويمسك بعضا.
قال أبو عمر: هذه الآثار كلها إنما أوردناها هاهنا لئلا يظن ظان جاهل بما يرى في هذا الباب أن طلب المال من وجهه للكفاف والاستغناء عن الناس هو طلب الدنيا المكروهة الممنوع منه، فإنه ليس كذلك، رحم اللّه: أبو الدرداء إنه يقول: (من فقه الرجل المسلم استصلاحه معيشته).
وقال أبو الدرداء أيضا: (صلاح المعيشة من صلاح الدين، وصلاح الدين هو صلاح العقل).
وقال الشاعر الحكيم:
ألا عائذا باللّه من بطر الغنى ... ومن رغبة يوما إلي غير مرغب
743 - حدثنا عبد الوارث بن سفيان، نا قاسم بن أصبغ، نا أحمد بن زهير، نا هارون ابن معروف، نا ضمرة، عن علي بن أبي جملة قال: (لما قفل الناس من القسطنطينية لقيت يحيى بن راشد أبا هاشم الطويل قال: فقال لي: وجدت الدين الخير).
وقال علي بن أبي جملة: (و رأيت بلال بن أبي الدرداء أميرا على دمشق).
وقال ابو الدرداء: (ليس من حبك الدنيا التماسك ما يصلحك منها) وكان يقول: (من فقهك عويمر: إصلاحك معيشتك) وقال عمر بن الخطاب - رضي اللّه عنه -: (يا معشر القراء استبقوا الخيرات، وابتغوا من فضل اللّه، ولا تكونوا عيالا على الناس).
ولقد أحسن منصور الفقيه في قوله، وقد ينسب إلى غيره:
أفضل من ركعتي قنوت ... ونيل حظ من السكوت
ومن رجال بنوا حصونا ... تصونهم داخل البيوت