قال أبو عمر: اختلف الفقهاء في تأويل هذا الحديث، فقال قوم: لا يؤجر من اخطأ، لأن الخطأ لا يؤجر أحد عليه وحسبه أن يرفع عنه المأثم، وردوا هذا الحديث بحديث بريدة المذكور في هذا الباب، وبقوله:
(تجاوز اللّه لأمتي عن خطئها ونسيانها). وبقول اللّه: وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ فِيما أَخْطَاتُمْ بِهِ
ونحو هذا.
وقال آخرون: يؤجر في هذا الخطأ أجرا واحدا على ظاهر حديث عمرو بن العاص، لأن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قد فرق بين أجر المخطئ والمصيب، فدل أن المخطئ يؤجر، وهذا نص ليس لأحد أن يرده.
وقال الشافعي رحمه اللّه ومن قال بقوله: يؤجر، ولكنه لا يؤجر على الخطأ، لأن الخطأ في الدين لم يؤمر به أحد، وإنما يؤجر لإرادته الحق الذي أخطأه.
قال المزني: فقد أثبت الشافعي في قوله هذا أن المجتهد المخطئ أحدث في الدين مالم يؤمر به ولم يكلفه، وإنما أجر في نيته لا في خطئه.
قال أبو عمر: لم نجد لمالك في هذا الباب شيئا إلا أن ابن وهب ذكر عنه في (كتاب العلم) من جامعه قال: سمعت مالكا يقول: (من سعادة المرء أن يوفق للصواب والخير، ومن شقوة المرء أن لا يزال يخطى ء).
وفي هذا دليل أن المخطئ عنده - وإن اجتهد - فليس بمرضي الحال - واللّه أعلم.
وذكر إسحاق بن إسماعيل بن إسحاق القاضي في (المبسوط) قال: قال محمد بن سلمة: (إنما على الحاكم الاجتهاد فيما يجوز فيه الرأي، فإذا اجتهد وأراد الصواب يجهد نفسه فقد أدى ما عليه أخطأ وأصاب، قال: وليس أجد في رأي على حقيقته أنه الحق، وإنما حقيقته الاجتهاد، فإن اجتهد فأخطأ في عقوبة إنسان فمات لم يكن عليه كفارة ولا دية لأنه قد عمل بالذي أمر به. قال: وليس يجوز لمن لا يعلم الكتاب والسنة ولا مضى عليه أولو الأمر أن يجتهد لأنه لا يجوز أن يجتهد رأيه فيكون اجتهاده مخالفا للقرآن والسنة أو الأمر المجمع عليه).
هذا كله قول محمد بن سلمة على ما ذكره عنه إسماعيل القاضي.