كتاب جامع بيان العلم وفضله - ت السعدني ط العلمية

كل قرن ينكر بعضهم على بعض فيما اختلفوا فيه - قضاء بين عملي أن لا يقال إلا بحجة، وأن الحق في وجه واحد واللّه أعلم.
قال أبو عمر: قد ذكر الشافعي رحمه اللّه في كتاب (أدب القضاة) أن القاضي والمفتي لا يجوز له أن يقضي ويفتي حتي يكون عالما بالكتاب وبما قال أهل التأويل في تأويله، وعالما بالسنن والآثار، وعالما باختلاف العلماء، حسن النظر، صحيح الأود، ورعا، متشاورا فيما اشتبه عليه، وهذا كله مذهب مالك وسائر فقهاء المسلمين في كل مصر يشترطون أن القاضي والمفتي المقلد لا يجوز أن يكون إلا في هذه الصفات.
واختلف قول أبي حنيفة رحمه اللّه في هذا الباب فمرة قال: أما أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فآخذ بقول من شئت منهم ولا أخرج عن قول جميعهم، وإنما يلزمني النظر في أقاويل من بعدهم من التابعين ومن دونهم.
قال أبو عمر: قد جعل للصحابة في ذلك ما لم يجعل لغيرهم وأظنه مال إلى ظاهر حديث:
(أصحابي كالنجوم) واللّه أعلم، وإلى نحو هذا كان أحمد بن حنبل رحمه اللّه يذهب.
ذكر العقيلي قال: ثنا هارون بن علي المقري، ثنا محمد بن عبد الرحمن الصيرفي قال:
(قلت لأحمد بن حنبل: إذا اختلف أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في مسألة هل يجوز لنا أن ننظر في أقوالهم لنعلم مع من الصواب منهم فنتبعه؟ فقال لي: لا يجوز النظر بين أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم. فقلت: فكيف الوجه في ذلك؟ فقال: تقلد أيهم أحببت).
قال أبو عمر: ولم نر النظر فيما اختلفوا فيه خوفا من التطرقا إلى النظر فيما شجر بينهم وحارب فيه بعضهم بعضا.
وقد روى السمتي، عن أبي حنيفة أنه قال في قولين للصحابة: (أحد القولين خطأ والمأثم فيه موضوع).
وروي عن أبي حنيفة أنه حكم في طست تمر ثم غرمه للمقضي عليه، فلو كان لا يشك أن الذي قضى به هو الحق لما تأثم عن الحق الذي ليس عليه غيره، ولكنه خاف أن يكون قضى عليه بقضاء أغفل فيه فضمن من حيث لا يعلم، فتورع، فاستحل ذلك بغرمه له؛ لأن المال إذا

الصفحة 351