كتاب جامع بيان العلم وفضله - ت السعدني ط العلمية

أبرد بالصلاة فلا تفتني حتى آتي القوم، قال: فدخل عليهم وهم قائلون، فإذا هم مسمة وجوههم من السهر، وقد أثر السجود في جباههم، كأن أيديهم ثفن الإبل، عليه قمص رخصة فقالوا: ما جاء بك يا ابن عباس؟ وما هذه الحلة عليك، قال: قلت: ما تعيبون من هذه؟ فلقد رأيت على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أحسن ما يكون من ثياب اليمنية، قال: ثم قرأت هذه الآية: قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ وَالطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ
فقالوا: ما جاء بك؟ قلت: جئتكم من عند أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وليس فيكم منهم أحد، ومن عند ابن عم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وعليهم نزل القرآن، وهم أعلم بتأويله، جئت لأبلغكم عنهم وأبلغكم عنكم، فقال بعضهم: لا تخاصموا قريشا فإن اللّه تعالى يقول: بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ، فقال بعضهم: بلى! فلنكلمنه، قال: فلكمني منهم رجلان أو ثلاثة، قال: قلت: ماذا نقمتم عليه؟ قالوا: ثلاثا، فقلت ما هن؟ قالوا: حكم الرجال في أمر اللّه، وقال اللّه عز وجل: إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ، قال: قلت هذه واحدة، وماذا أيضا؟ قال: فإنه قاتل فلم يسب ولم يغنم، فلئن كانوا مؤمنين ما حال قتالهم، ولئن كانوا كافرين لقد حل قتالهم وسباهم، قال: قلت وماذا أيضا؟ فقالوا: ومحا نفسه من أمير المؤمنين، فإن لم يكن أمير المؤمنين فهو أمير الكافرين، قال: قلت: أرأيتم إن أتيتكم من كتاب اللّه وسنة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ما ينقض قولكم هذا؟ أترجعون؟ قالوا: وما لنا لا نرجع، قلت: أما قولكم حكم الرجال في أمر اللّه، فإن اللّه عز وجل قال في كتابه: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ* وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّداً فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ).
وقال في المرأة وزوجها: وَإِنْ خِفْتُمْ شِقاقَ بَيْنِهِما فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِها
فصير اللّه تعالى ذلك إلى حكم الرجال، فنشدتكم اللّه أتعلمون حكم الرجال في دماء المسلمين وفي إصلاح ذات بينهم أفضل أو في دم أرنب ثمن ربع درهم وفي بضع امرأة؟
قالوا: بلى، هذا أفضل، قال: أخرجت من هذه؟ قالوا: نعم، قال: وأما قولكم: قاتل فلم يسب ولم يغنم أفتسبون أمكم عائشة - رضي اللّه عنها -؟ فإن قلتم: نسبيها فنستحل منها ما نستحل من غيرها فقد كفرتم، وإن قلتم: ليست بأمنا فقد كفرتم فأنتم ترددون بين ضلالتين، أخرجت من هذه؟ قالوا: بلى! قال: وأما قولكم: محا نفسه من أمير المؤمنين فأنا آتيكم بمن أترضون، إن نبي اللّه صلى اللّه عليه وسلم يوم الحديبية حين صالح أبا سفيان وسهيل بن عمرو قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: «اكتب يا علي: هذا ما صالح عليه محمد رسول اللّه ... فقال أبو سفيان وسهيل بن عمرو ما نعلم أنك رسول اللّه ولو نعلم أنك رسول اللّه ما قاتلت؟؟؟ قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: اللهم

الصفحة 377