كتاب جامع بيان العلم وفضله - ت السعدني ط العلمية

عمر بن عبد العزيز رحمه اللّه وهو ممن جاء عنه التغليظ في النهي عن الجدال في الدّين، وهو القائل: (من جعل دينه غرضا للخصومات أكثر التنقل).
فلما اضطر وعرف الفلح في قوله ورجى أن يهدي اللّه به لزمه البيان فبين وجادل، وكان أحد الراسخين في العلم رحمه اللّه.
وقال بعض العلماء: (كل مجادل عالم وليس كل عالم مجادلا). يعني أنه ليس كل عالم تتأتى له الحجة ويحضره الجواب ويسرع إليه الفهم بمقطع الحجة، ومن كانت هذه خصاله فهو أرفع العلماء وأنفعهم مجالسة ومذاكرة واللّه يؤتي فضله من يشاء واللّه ذو الفضل العظيم.
قال أبو إبراهيم المزني لبعض مخالفيه في الفقه: من أين قلتم كذا وكذا؟ ولم قلتم كذا وكذا؟ فقال له الرجل: قد علمتم يا أبا إبراهيم أنا لسنا لميتة، فقال المزني: إن لم تكونوا لميتة فإنتم إذن في عمية).
1018 - أخبرنا عبد اللّه بن محمد قال: أخبرنا يوسف بن أحمد إجازة عن أبي جعفر العقيلي، ثنا محمد بن عتاب بن المربع قال: سمعت العباس بن عبد العظيم العنبري أخبرني قال: (كنت عند أحمد بن حنبل وجاءه علي بن المديني راكبا على دابة، قال: فتناظرا في الشهادة وارتفعت أصواتهما حتى خفت أن يقع بينهما جفاء، وكان أحمد يرى الشهادة وعليّ يأبى ويدفع، فلما أراد علي الانصراف قام أحمد فأخذ بركابه).
وسمعت أحمد في ذلك المجلس يقول: لا تنظر بين أصحاب محمد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فيما شجر بينهم ونكلهم إلى اللّه عز وجل، والحجة في ذلك حديث حاطب.
قال أبو عمر: كان أحمد بن حنبل رحمه اللّه يرى الشهادة بالجنة لمن شهد بدارا والحديبية أو لمن جاء فيه أثر مرفوع على ما كان منهم من سفك دماء بعضهم بعضا، وكان علي بن المديني يأبى ذلك ولا يصحح في ذلك أثر.
وأما تناظر العلماء وتجادلهم فإن مسائل الأحكام من الصحابة والتابعين ومن بعدهم فأكثر من أن تحصى وسنذكر منها شيئا يستدل به.
قال زيد بن ثابت لعلي رضي اللّه عنهما في المكاتب: (أكتب راجمه لوزنا؟ قال: لا، قال: فكنت تجيز شهادته؟ قال: لا، قال: فهو عبد ما بقي عليه درهم).

الصفحة 380