كتاب جامع بيان العلم وفضله - ت السعدني ط العلمية

وللحق مستنبط واحد ... وكل يرى الحق في مذهبه
ففي ما أري عجب غير أن ... بيان التفرق من أعجبه
1044 - وثبت عن النبي صلى اللّه عليه وسلم ما ذكرنا في كتبانا هذا أنه قال: «يذهب العلماء ثم يتخذ الناس رؤوسا جهالا، يسئلون فيفتون بغير علم، فيضلون ويضلون».
وهذا كله نفي للتقليد وإبطال له لمن فهمه وهدي لرشده.
1045 - وحدثنا محمد بن إبراهيم، ثنا أحمد بن مطرف، ثنا سعيد بن عثمان، وسعيد ابن حميد قالا: نا يونس بن عبد الأعلى، ثنا سفيان بن عيينة قال: (اضطجع ربيعة مقنعا رأسه وبكي، فقيل له: ما يبكيك، فقال: رياء ظاهر وشهوة خفية، والناس عند علمائهم كالصبيان في حجور أمهاتهم، ما نهوهم عنه انتهوا وما أمروهم به ائتمروا).
وقال أيوب رحمه اللّه: (ليس تعرف خطأ معلمك حتى تجالس غيره).
وقال عبد اللّه بن المعتز: (لا فرق بين بهيمة تقاد وإنسان يقلد).
وهذا كله لغير العامة، فإن العامة لابد لها من تقليد علمائها عند النازلة تنزل بها لأنها لا تتبين موقع الحجة ولا تصل - لعدم الفهم - إلى علم ذلك لأن العلم درجات لا سبيل منها إلى أعلاها إلا بنيل أسفلها، وهذا هو الحائل بين العامة وبين طلب الحجة، واللّه أعلم.
ولم يختلف العلماء أن العامة عليها تقليد علمائها، وأنهم المرادون بقول اللّه عز وجل: فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ، وأجمعوا على أن الأعمى لا بد له من تقليد غيره ممن يثق غيره بالقبلة وإذا أشكلت عليه، فكذلك من لا علم له ولا بصر بمعنى ما يدري به لا بد له من تقليد عالمه، وكذلك لم يختلف العلماء أن العامة لا يجوز لها الفتيا وذلك واللّه أعلم لجهلها بالمعاني التي منها يجوز التحايل والتحريم والقول في العلم.
وقد نظمت في التقليد وموضعه أبياتا رجوت في ذلك جزيل الأجر لما علمت أن من الناس من يسرع إليه حفظ المنظوم، ويتعذر عليه المنثور، وهي من قصيدة لي:
يا سائلي عن موضع التقليد خذ ... عني الجواب بفهم لب حاضر
واصغ إلى قولي ودن بنصيحتي ... واحفظ على بوادري ونوادري

الصفحة 390