كتاب جامع بيان العلم وفضله - ت السعدني ط العلمية

أولى بالتقليد من أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وكذلك الصاحب عنده يلزمه تقليد التابع، والتابع من دونه في قياس قوله، والأعلى الأدنى أبدا، وكفى بقول يؤول إلى هذا قبحا وفسادا).
قال أبو عمر: وقال أهل العلم والنظر: حد العلم والتبيين وإدراك المعلوم على ما هو فيه، فمن بان له الشيء فقد علمه، قالوا: والمقلد لا علم له لم يختلفوا في ذلك، ومن ههنا - واللّه أعلم - قال البختري في محمد بن عبد الملك الزيات:
عرف العالمون فضلك بالعلم ... وقال الجهّال بالتقليد
وأرى الناس مجمعون على فضلك ... من بين سيد ومسود
وقال أبو عبد اللّه بن خواني بنداد البصري المالكي: (التقليد معناه في الشرع الرجوع إلى قول لا حجة لقائله عليه، وهذا ممنوع منه في الشريعة، والأتباع ما ثبت عليه حجة).
وقال في موضع آخر من كتابه: (كل من اتبعت قوله من غير أن يجب عليك قبوله لدليل يوجب ذلك فأنت مقلده، والتقليد في دين اللّه غير صحيح، وكل من أوجب عليك الدليل اتباع قوله فأنت متبعه، والاتباع في الدين مسوغ والتقليد ممنوع).
وذكر محمد بن حارث في (أخبار سحنون بن سعيد) عن سحنون قال: (كان مالك ابن أنس وعبد العزيز بن أبي سلمة ومحمد بن إبراهيم بن دينار وغيرهم يختلفون إلى ابن هرمز، وكان إذا سأله مالك وعبد العزيز أجابهما وإذا سأله ابن بينار لم يجبهم، فتعرض له يوما فقال له: يا أبا بكر ألم تستحل مني ما لا يحل لك؟ قال له: يا ابن أخي! وما ذاك؟
قال: يسألك مالك وعبد العزيز فتجيبهما وأسألك أنا وذوي فلا تجيبنا، فقال: أوقع ذلك يا ابن أخي في قلبك؟ قال: نعم، قال: إني قد كبر سني ورق عظمي، وأنا أخاف أن يكون خالطني في عقلي مثل الذي خالطني في بدني، ومالك وعبد العزيز عالمان فقيهان إذا سمعا مني حقا قبلاه وإذا سمعا مني خطأ تركاه، وأنت وذووك ما أجبتكم به قبلتموه).
قال محمد بن حارث: هذا واللّه هو الدين الكامل والعقل الراجح، لا كمن يأتي بالهذيان ويريد أن ينزل من القلوب منزلة القرآن.
قال أبو عمر: (يقال لمن قال بالتقليد: لم قلت به، وخالفت السلف في ذلك فإنهم لم يقلدوا؟ فإن قال: قلدت لأن كتاب اللّه عز وجل لا علم لي بتأويله، وسنة رسوله لم

الصفحة 393