للنهي عن الإقلال والإكثار، ألا تراه يقول: فمن حفظها ووعاها فليحدث بها، فكيف يأمرهم بالحديث عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وينهاهم عنه؟ هذا لا يستقيم بل كيف ينهاهم عن الحديث عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ويأمرهم بالإقلال منه؟ وهو يندبهم إلى الحديث عن نفسه بقوله: «من حفظ مقالتي ووعاها فليحدث بها حيث تنتهي بها راحلته»، ثم قال: «و من خشي أن لا يعيها فلا يكذب عليّ» وهذا يوضح لك ما ذكرنا، والآثار الصحاح عنه من رواية أهل المدينة بخلاف حديث قرظة هذا، وإنما يدور على بيان عن الشعبي، وليس مثله حجة في هذا الباب لأنه؛ يعارض السنن والكتاب، قال اللّه عز وجل: لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ
وقال: وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا
وقال في النبي صلى اللّه عليه وسلم: النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِماتِهِ* وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ
وقال: «و إنك لتهدي إلى صراط مستقيم صراط اللّه».
ومثل هذا في القرآن كثير، ولا سبيل إلى اتباعه والتأسي به والوقوف عند أمره إلا بالخبر عنه، فكيف يتوهم أحد على عمر - رضي اللّه عنه - أنه يأمر بخلاف ما أمر اللّه به؟.
1062 - وقد قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: «نضر اللّه أمرءا سمع مقالتي فوعاها، ثم أداها إلى من لم يسمعها ... » الحديث، وقد ذكرناه من طرق في صدر هذا الكتاب، وفيه الحض الوكيد على التبليغ عنه صلى اللّه عليه وسلم.
1063 - وقال: «خذوا عني» في غير ما حديث.
1064 - «و بلغوا عني».
والكلام في هذا أوضح من النهار لأولي النهى والاعتبار، ولا يخلو الحديث عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم من أن يكون خيرا أو شرا، فإن كان خيرا - ولا شك فيه أنه خير - فالإكثار من الخير أفضل، وإن كان شرا فلا يجوز أن يتوهم أن عمر - رضي اللّه عنه - يوصيهم بالإقلال من الشر، وهذا يدلك على أنه إنما أمرهم بذلك خوف مواقعة الكذب على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وخوف الاشتغال عن تدبر السنن والقرآن؛ لأن المكثر لا تكاد تراه إلا غير منتبر ولا متفقه.