كتاب معاني الأخبار للكلاباذي

@ 204@ويرغبون عنها ، ويزهدون فيها حتى يقادون إليها بالسلاسل كما يقاد إلى المكروه العظيم الذي تنفر منه الطابع ويألم منه الأبدان وتكرهه النفوس.
|ويجوز أن يكون معنى قوله : عجب الله عز وجل من اقوام أي : رضي عن أقوام ، وقيل ناسا ورفع اقدار عباد وعظم مرتبة من صفتهم انهم يقادون إلى نعيم أنفسهم وقرات اعينهم بالسلاسل تأبيا منهم على الله تعالى ، وامتناعا منه ونفرة عنه ، يخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن الله عز وجل يختار من خلقه من يشاء ، ويقبل من يريد ، ويصطفى بعمله من غير فعل يكون منهم ، ولا سابقة تقدمت منهم ، ويعود إلى الجنة من يمتنع منها ، وتنقذ من النار من هو على شفا جرف منها ، بل هو من يتهافت فيها تهافت الفراش في النار.
|قال النبي صلى الله عليه وسلم : مثلي ومثلكم كرجل استوقد نارا فجعل الفراش يتهافتون في النار فأنا آخذ بحجزكم ، وأنتم تتهافتون في النار.
|ويجوز أن يكون فيه إخبار عن عظيم فضل الله تعالى ، وجليل كرمه بني دارا جعل فيها أنواع النعيم ، وملاذ النفوس ، وقرأت الاعين ، ودعا إليها بألطف دعاء وبذلها بأيسر مؤنة ، فأعرض عنها أقوام ، وأبوها ونفروا عنها فقادهم إليها بالسلاسل فكان هذا فضله وكرمه مع أمثال هؤلاء ، فكيف يكون فضله وكرمه وبره وإحسانه بأقوام رغبوا في خدمته ، وتحملوا المشقات والمكاره في طلب مرضاته ، وسلوه ما اعد لهم بألسنة ، الافتقار ، ومدوا إليه طلبا أيدي الاضطرار ، واستعاذوا بوجهه الكريم من عذابه الاليم ، وناره التي يتهافت فيها اقوام فبرهم عنها رحمة عليهم ، ونظر إليهم فكيف يطرح فيها من يهرب منها ، ويسعيذ به من الوقوع فيها ، أو كيف يحرم من يسأل بألطف السؤال ويطلب إليه المجهود منه دارا يعود إليها بالسلاسل من يهرب منها ويعرض عنها أن ذلك لا يليق بفضله وكرمه ، إنه ذو فضل عظيم ، ومن كريم ، والمستعاذ به من شيطان رجيم.

الصفحة 204