كتاب معاني الأخبار للكلاباذي

@ 219@وكذلك قولهم في الأخبار المتشابهة لا يردونها رد منكر جاحد ، ولا يتأولونها تأويل متحكم متكلف ، بل يؤمنون بها إيمان مصدق مسلم ، ويرونها رواية فقيه مسلم ، وقد تأولها قوم من فقهاء الصحابة ، والتابعين ، وسائر فقهاء المسلمين ، وعلماء الدين على ما يليق بالله ورسوله من غير تشبيه ، ولا تعطيل ، ولا تكذيب بتحريف تأويل طلبا للحكمة فيها على قدر افهامهم ، ومبلغ عقولهم ، ونور أسرارهم ، وشرح صدورهم ، بانتزاع التأويل من الكتاب والسنة وأقاويل فقهاء الأمة ، وعلى قدر الحكمة التي يهب الله منها من يشاء ويؤتها من يريد ومن أوتيها فقد أوتى خيرا كثيرا.
|فيجوز أن يكون تأويل قوله صلى الله عليه وسلم : لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن أي لا يزني وهو في حين ما يزني مكاشف في إيمانه ، مشاهد لما آمن به بإيقانه ، بل هو في وقت فعله ذلك عن تحقيق إيمانه محجوب ، وبغلبة شهوته عن شهود إيقانه مسلوب ، فإيمانه في قلبه من جهة العقد ثابت ، ونور إيمانه من جهة اليقين مطموس ، لأن الموصوفين بالإيمان على ثلاث طبقات ، فمنهم ناطق بكلمة الإخلاص محجوب القلب فيه عن صدق الاخلاص ، فهو مؤمن العلانية كافر السريرة ، قال : الله تعالى : {يا أيها الذين آمنوا آمنوا بالله ورسوله} [النساء : 136] . وناطق بكلمة التقوى منطو في سره على صدق الدعوى ، اقر بلسانه وأخلص لحياته مضطرب الحال فيما يوجبه إيمانه ، فمرة بالجنة موصوف ، وأخرى بالكشوف معروف ، لم يلبس إيمانه بظلم ولم يجرده بيقين شهوده حقيقة علم ، فهو مؤمن العلانية مؤمن السريرة مخلط الفعل ، قال الله تعالى : {وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا} [التوبة : 102] ، وقال الله تعالى : {يأيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون} [الصف : 2] ، وقال تعالى : {يأيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود} [المائدة : 1].
|طولب هؤلاء بوفاء ما صحت به عقيدتهم ، وصدقت قولهم سريرتهم ، فدل انهم في حجبة عما نطقوا به واعتقدوه ، ومقر بلا إله إلا الله قد اسقط عن سره ما دون الله ، واقبل بكليته على الله ، واسرع بسيره إلى الله بكشوف إيمانه وصدق إيقانه ، حجبه إيمانه عن كثير من لذاته ، وصرفه إيقانه عن شهواته ، فهو يشاهد ما آمن به كأنه رأي عيانا فيرى ما غلب عن بصره بعين . كما قال حارثة : كأني انظر إلى عرش ربي بارزا ، |

الصفحة 219