كتاب معاني الأخبار للكلاباذي

@ 220@وكأني انظر إلى أهل الجنة يتنعمون ، وإلى أهل النار يعذبون . فقال النبي صلى الله عليه وسلم : عبد نور الله قلبه ، وفي رواية أخرى : عبد نور الله الإيمان في قلبه . فهذا المكاشف بالإيمان شهود لما آمن به ، قال الله تعالى : {إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم} [الانفال : 2] فمن كان بهذه الصفة فهو محجوب بإيمانه عن الزنا والسرقة وشرب الخمر ، وانتهاب نهبة ذات شرف ، ومن حجب عن إيمانه بظلمة غفلته ، ودخان شهوته ربما واقع هذه الأعمال ووصف بهذه الخصال ما بلغ من حق إيمانه أن اسقط إباحتها من سره لم يبلغ حقيقة حقه أن يجانبها بعقله ، فهو في وقت مواقعتها والإتيان بها غير موصوف بحقيقة حق الايمان ، وإن كان موصوفا بصدق الإيمان ، فهو مؤمن إيمان عقود وليس بمؤمن إيمان شهود.
|ففي قوله صلى الله عليه وسلم : لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن معنيان ، أحدهما : كالعذر له كأنه يقول : لم يزن الزاني حين يزني جحودا واستكبارا ، ولكنه فعل ذلك حجة واستتارا.
|والمعنى الآخر : كالتحذير عن مبالغة الهوى والانهماك في الشهوات والمنى ، كأنه يقول : غفلة ساعة واتباع شهوة حجبته عن حقيقة إيقانه فغير مأمون إن دامت غفلته واستحكمت فيه شهوته أن يزيله شؤم فعله عن حقيقة إيمانه ، فالزنا عبارة عن جميع شهوات النفس المحظورة المحرمة ، والشرف عبارة عن الرغبة في الدنيا مما حرم الله تعالى ، وشرب الخمر عبارة عن الغفلة عن الله تعالى ، والانتهاب عبرة عن الحرص فيما حرم الله تعالى ، ففيه تحذير عن متابعة الشهوات والرغبة في اللذات ، والغفلة عن الله ، والحرص فيما حرم الله تعالى ، والاستخفاف بأولياء الله تعالى ، لأن المنتهب نهبته رفع المؤمنين ابصارهم مستخف بهم غير مقر لهم ، ولا معظم حقهم.

الصفحة 220