@ 238@وسكنت حدة شهوته ، وضعفت قوة طباعه ، وقويت فيه دواعي العقل وآلات الامتناع ، وضعفت آلات الهوى ودواعي الشهوات ، فأرتكابه في هذه الحال ما نهي عنه من الزنا ليس إلا بسبب الاستخفاف ، وقلة المبالاة ، ورداءة الطبع وقسوة القلب ، وانطماس نور الهدى ، وإعراضها عن رعاية حق المولى ، فيجازيه في القيامة إن لم يكن له منه الحسنى ، فيعرض عنه في الآخرة كإعراضه الذي كان عنه في الدنيا.
|والكذب إنما يكون من الإنسان لدفع مضرة أو لجلب منفعة فيما يخيل إليه ، يخاف شيئا مما يحبه أن يفوته ، أو يرجوه أن يصيبه ، ويخيل إليه أن أحدا من الناس يحجزه عنه أو يمنعه أعني الكذب رهبة من إنسان ، أو رغبة فيه فيكذب له ، والإمام ليس فوقه من الناس أحد يرجوه أو يخافه فلا عذر له في كذبه ، فكذبه لسوء طبعه ورداءة حاله واستخفافه بحق الله في الوقوف على حدوده ، فيجازيه ربه يوم لا يملك لنفسه نفعا ولا ضرا على سوء سيرته حين ملكه الله ومكنه من دفع كثير من المضار عن نفسه وجلب المنافع إليها بما خوله من نعمه وأتاه من سلطانه.
|والزهو هو الترفع والتكبر والإزراء بمن دونه والاستخفاف بعباد الله ، ودواعي هذه الأسباب الاستغناء وقلة الحاجة والإمنكان من بلوغ ما يتمناه ونيل ما يشتهيه ، وحاجة الناس إليه ورغبتهم فيه وخدمتهم رياه واستكانتهم له ، فتدعوه هذه الأسباب إلى نظره إلى نفسه وإعجابه بها ، فيزهو ، والعائل وهو الفقير ليس له هذه الدواعي ولا معه هذه الآلات فلا عذر له في زهوه ، فزهوه وترفعه في غير ذات الله رداءة فيه وقلة معرفة بالله ومنازعة منه لربه فيما هو له دون خلقه ، فيعرض الله عنه إن لم يرحمه إهانة له جزاء على إعراضه عن عباده المؤمنين واستهانة بحقوقهم.
|ففي الحديث دلالة على كرم الله في قبول اعذار العباد فيما يكون منهم من المخالفات من ارتكاب مناهيه ، وإتيان معاصيه إذا رجعوا إليه تائبين ، أو وردوا على الله على ايمانهم ثابتين ، أو يعفو ويغفر لهم ما كان منهم عند غلبة الشهوة المركبة فيهم إياهم وتزيين العدو لهم وبسط الأمل في الرجوع إلي الله رجاء المدة في ذلك ، ودلالة على كربه في قبول اعذارهم عند ضروراتهم وحاجاتهم في نيل ما إليه حاجاتهم ، والخوف من لحوق الضرر بهم لضعف البشرية وعجز الإنسانية ، وفي النظر لأنفسهم واغترارهم بالأسباب الحاملة لهم عن الحاجة.