كتاب معاني الأخبار للكلاباذي

@ 242@قال الشيخ رحمه الله : يجوز أن يكون معني هذا الداء والشفاء على معنى الطلب الروحاني ، وقد تكلم في مثل ذلك الاطباء ، ومعناه إصلاح الأخلاق وتقويم الطباع وتهذيب العادات والسجيات باستخراج الفاسدة منها وتربية الصالحة منها ، وإصلاح ما يمكن إصلاحها إذا داء الأخلاق وسقم العادات بالأديان ، وداء الأجسام يضر بالأبدان وسقم الأبدان تكفير الخطيئات ، وسقم الأخلاق يورث البليات.
|فيجوز أن يكون معنى الداء في أحد جناحيه الكبر والترفع من استباحة ما أباحته الشريعة وأحلته السنة ، فإن السنة قد أباحت ما مات فيه من الهوام مما ليس له دم سائل ووردت الرخصة فيه ، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن الله يحب أن يؤخذ برخصة كما يحب أن يؤخذ بعزائمة ، فكأن الإنسان ، إذا استعذر ما أباحته الشريعة من جهة الترفع عنها ، والتكبر فيها ، كان في ذلك فسادا لدينه عظيما وتعززا لنفسه ، وربما رمى بذلك الطعام أو أهراق ذلك الشراب الذي وقع فيه الذباب ، فيؤدي ذلك إلى تحريم ما احل الله والترفع عن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وإضاعة نعم الله . فأمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يغمس الذباب إذا وقع في الإناء ليذهب عن نفسه ترفعها ويقتل فيها كبرها ، فيكون في أول وقوعها تعزز النفس لها والتكره لها من جهة الطبع والكبر لا من جهة السنة والشريعة ، فهذا هو الداء الذي يولد الإنسان ما ذكرناه من تحريم ما احل الله والترفع عن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وإضاعة نعمة الله ، فإذا غمسه اكره ما استباحة ما أباحته الشريعة واستطابت ما أذنت فيه السنة ، فكان في ذلك قهرا للنفس الأمارة بالسوء ، وحفظا للدين من لواحق ما يكاد يدنسه من تعذر النفس والكبر الذي هو منازعة الله في صفته ، والتعظيم عن الانقياد والاستسلام لرسول الله صلى الله عليه وسلم في سنته ، كما تكون بعض الأدوية المسهلة نقضا للابدان عما يجتمع فيها الله من فضول الأغذية الفاسدة التي تورث سقم الابدان ، وما من شيء خلقه الله إلا وفيه حكمة كثيرة منها |

الصفحة 242