@ 245@فهذا يدل على انه لم يرد بقوله : لا يأكل طعامك إلا تقي وإنما أراد المواكلة التي توجب الألفة والخلة ، وكيف ينهي عن إطعام من ليس بتقي ، والله عز وجل يقول : {ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا} [الإنسان : 8] في الاسير في دار الإسلام مشرك ، فأثنى الله عز وجل على من أطعم المشركين ، فكيف بمن أطعم من كان في جملة المسكين.
|ويجوز أن يكون المعنى فيه التحري والقصد ، كأنه يقول : لا تتحرين بإطعامك إلا التقي ، ولا تقصدن به إلا البر الذي يتقوى به على طاعة الله تعالى ، والعبادة له والشكر له ، فتكون معاونا على البر والتقوى ، كما قال الله تعالى : {وتعاونوا على البر والتقوى} [المائدة : 2] فيقول : لا تقصدن بإطعامك الفاجر الذي يتقوى به على فجوره وآثامه فتكون معاونا على الإثم والعدوان ، فمن تحرى في إطعامه وطلب له واختار ، فليقصد أهل البر والتقوى ، ومن بذل طعامه وتسخى في إطعامه ، فليدع التحير وليطعمه من قصده ولا يحرمه من أتاه.
|قال الشيخ : وسمعت بعض مشايخنا يقول : كان الحسين بن واصل يبني رباطة يتناواب من ثغر استحباب ، وكان العدو يقاتله وهو يقاتلهم نهاره اجمع ، فإذا كان الليل وبسط سفرته للإطعام لم يمنع من يقاتله من المشركين ، وكان يطعمهم ، فقيل له في ذلك ؟ فقال : إن سئلت عن ذلك ؟ قلت منك أخذت ، وبأمرك ائتمرت ، ومنك تعلمت فأطعمت من أطعمت ، وقاتلت من أمرت.
|وقيل لأبي القاسم الحكيم ، تخير من يصلح للاجراء من طلبة العلم ، واسقط من لا يصلح منهم ، فأجري لكل من في الرباط ، فقيل له في ذلك ؟ فقال : لم أجد فيه من لا يسوى من خير هذا عند البذل والسخاء ، وذاك عند التحري والدعاء ، والله يعلم المفسد من المصلح ، ولكل امرء ما نوى ، والله يجزي المحسنين ، والحمد لله رب العالمين.