كتاب معاني الأخبار للكلاباذي

@ 247@كذلك قوله صلى الله عليه وسلم : لا يقبل منه فدية أي ليس له ما يفدي به نفسه وتوبته في الآخرة لا تقبل ، فأما التوبة فإنها تقبل في الدنيا ويمحو الله تعالى السيئات بالحسنات ، ومن قبلت حسنته فداه الله تعالى يوم القيامة بأهل الأديان من اليهود والنصارى ، وبه جاء الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
|ومما يدل على انه أراد بالتوبة والفدية في الآخرة ، ما جاء في رواية علي بن أبي طالب رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم : من والى قوما بغير اذن مواليه فعليه لعنة الله والملائكة والناس اجمعين ، لا يقبل منه يوم القيامة صرف ولا عدل ، ومن حمل معنى الصرف والعدل على الفريضة والتطوع فإن معناه أن لا يقبل فريضة قبول رضاء وتزكية ، وإن كان يقبل جزاء وثواب ، لأن الله تعالى لا يظلم عباده مثقال ذرة ، وإن تك حسنة يضاعفها ، فكيف لا يقبل فريضة من أداها بشرائطها على قدر وسعة ، بل يجوز أن يعاقبه على معصيته إن شاء ، ويثيبه على أداء فريضته لا محالة ، ولو عاقبه على معصيته ولم يثبه على طاعته لكن مستوفيا حق نفسه من عبده غير موفيه حقه من نفسه ، وهذا غير لائق بالله وكرمه ، ولو كان الأمر كما يدعيه من يقول بالإحباط من المعتزلة لم يكن لقوله : {خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا} [التوبة : 102] معنى لأن أعماله الصالحة هذه احبطتها السيئات ، فلم يبقى إلا السيئات ، فإن أولوا السيئات بالصغائر عندهم لم يستقم ، لأن الصغائر مغفورة باجتناب الكبائر ، والمغفورة لا يجب أن تكون مثبتة إذا ، فصاحب الكبائر لا طاعة له عندهم ، لأن الكبائر تحبط طاعتهم ، ومجتنب الكبائر لا معصية له ولا ذنب ، لأن الصغائر مغفورة باجتناب الكبائر ، فمن هذا الذي خلط عملا صالحا وآخر سيئا.
|وقولهم بالإحباط ينفى الكاتبين وينفي الوزن يوم القيامة وينفي الحساب ، وآيات من القرآن كثيرة يبطلها قولهم ، لأن الكاتبين أحدهما يكتب الحسنات والآخر السيئات ، والأخبار بهذا جاءت ، والوزن إنما هو للحسنات والسيئات ، فمن ثقلت موزاينه بالحسنات نجا ، ومن ثقلت بالسيئات وخفت بالحسنات هلك ، فإذا لم يجتمع للعبد حسنات وسيئات فما معنى الوزن ، وما الذي يوزن ، وما الذي استوت حسناته وسيئاته فصار من أصحاب الاعراف ، والأخبار في الوزن وأنه ميزان وله كفتان يوضع في إحديهما الحسنات ، وفي الأخرى السيئات كثيرة صحيحة ، وكل هذه الأشياء يبطلها القول بالإحباط.

الصفحة 247