@ 252@فأخبر صلى الله عليه وسلم الذاكر هو المفرد الذي ليس معه غيره ، فذاكر الله على الحقيقة من لا يذكر مع الله غير الله ، وحوائجه غير الله.
|قال أبو سعيد الخزاز : بينا أنا عشية عرفة قطعني قرب الله عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم نازعتني نفسي بأن اسأل ، فسمعت هاتفا يقول : أبعد وجود الله تسأل الله غير الله.
|فمن شغل عنها بشهود الله أعطاه الله عند ذلك في الدنيا حق معرفته ، وصرفه عمن سواه وأدناه منه فكان جليسه ، فقد قال الله عز وجل : أنا جليس من ذكرني ورفع الحجب بينه وبينه فكان كأنه يراه ، وأعطاه في الآخرة ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ، وأحله في مقعد صدق عند مليك مقتدر يقبل عليه بوجه ناضر ، وينظر إليه ببصره ناظر يستلم عليه فلولا رب رحيم ويجيبه إليه بر كريم.
|ويجوز أن يكون معنى قوله : من شغله ذكري أي من شغله ذكر الله له ، معناه من شغله شهوده ذكر الله له قبل إيجاده إياه وخلقه له ، فجعله من الموحدين له المؤمنين به المثنين عليه ، نقله من صلب إلى رحم حتى أخرجه من أمة هي خير أمة اخرجت للناس فيمن يأتيها أنبيائه ورسله ، ثم ألهمه ذكره ، وعلمه الثناء عليه ، وألزمه كلمة التقوى وجعله من أولى النهي ، فكان مذكوره بالاختباء حين لم يكن شيئا مذكورا ، فقام له بحوائجه قبل حاجته إليها ، فأعطاه مصالحة قبل هدايته لها ، أعطاه قبل سؤاله ، أجزل العطايا ووهب له انفس الرغائب وأحسن الهدايا ، وتكفل له ما يصلحه للدين والدنيا ، فمن عرف ذلك من ربه به وسيده إليه ، استغرق في بحر مننه ، فشغله عن سؤال معرفة منه بعلمه بحاله ، فتوكل عليه وفوض أمره إليه ثقة به ومعرفة بنظره له ، فيعطيه الله افضل ما يعطي السائلين ، ويختار له في حين وجوده ما هو اصلح له ، كما اختار له في عدم ما هو رفع له وازين به ، فهو يعطيه على قدر الربوبية عز وجل ، والسائلون يسألون على قدر العبودية وهمم العبد لا يجاوز قدره ، وما عند الله خير وابقى ، والله جواد كريم . والذاكرون على طبقات ثلاث ، فذاكر بلسانه تسبيحا وتحميدا وتكبيرا وتمجيدا ، يدعوه بأسمائه الحسنى ويثنى عليه بصفاته العلى ، انشرح صدره بنوره واطمأن قلبه بذكره ، وشهد مذكوره بسره ، فذكره له أنيس وهو لربه جليس ، تلذذ بذكره والثناء عليه ، فيستغنى عن سؤاله والطلب إليه .