كتاب تفسير الشعراوي (اسم الجزء: 18)

الذين آمَنُواْ مِنَ الكفار يَضْحَكُونَ عَلَى الأرآئك يَنظُرُونَ هَلْ ثُوِّبَ الكفار مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ} [المطففين: 29 - 36] .
يلتفت الله إلى المؤمنين الذين اسْتُهزئ بهم في الدنيا: هل قدرنا أنْ نجازي هؤلاء الكافرين، ونردّ إليكم حقوقكم - وفي هذا إيناسٌ للمؤمنين وتقريعٌ للكافرين - فيقولون: نعم يا رب، نعم يا رب، نعم يا رب، فالحق سبحانه يريد أنْ يحرش المؤمنين بهم، فلا يلينون لهم، ولا يعطفون عليهم، لأنهم طَغَوْا وتكبَّروا، وعرضت عليهم الحجج والأدلة فكذَّبوها وأصرُّوا على عنادهم، فبالغوا في الظلم.
نقول: جَهدَ فلان يجهد أي أتعب نفسه واجتهد: ألح في الاجتهاد وجاهد غيره، فجاهد تدل على المفاعلة والمشاركة، وهي لا تتم إلا بين طرفيْن، وفي هذه الصيغة (المفاعلة) نغلب الفاعلية في أحدهما والمفعولية في الآخر، مع أنهما شركاء في الفعل، فكلٌّ منهما فاعل في مرة، ومفعول في الأخرى، كأنك تقول: شارك زيدٌ عمراً، وشارك عمرو زيداً. أو: أن الذي له ضِلع أقوى في اشركة يكون فاعلاً والآخر مفعولاً.
وبعد أن بيَّن الحق سبحانه أن مثوى الكافرين المكذِّبين في جهنم وحرَّش المؤمنين بهم، وما داموا قد ظَلموا هذا الظلم العظيم لا بُدَّ أن يوجد تأديب لهم، هذا التأديب لا لإرغامهم على الإيمان، {فَمَن شَآءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَآءَ فَلْيَكْفُرْ ... } [الكهف: 29] إنما التأديب أن نجهر

الصفحة 11279