كتاب تفسير الشعراوي (اسم الجزء: 18)

وبيان ذلك أنه سبحانه نسب الموت لنفسه أولاً؛ لأنه صاحب الأمر الأعلى فيه، فيأمر به ملَك الموت، وملَك الموت بدوره يأمر جنوده، إذن: فمردُّها إلى الله.
ثم يقول سبحانه: {إِذَآ أَنتُمْ تَخْرُجُونَ} [الروم: 25] أي: حين يسمع الموتى هذه الصيحة يهبُّون جميعاً أحياء، فإذا هنا الفجائية الدالة على الفجأة، وهذا هو الفارق بين ميلاد الدنيا وميلاد الآخرة، ميلاد الدنيا لم يكُنْ فجأة، بل على مهل، فالمرأة قبل أنْ تلد نشاهد حملها عدة أشهر، وتعاني هي آلام الحمل عدة أشهر، فلا فجأة إذن.
نعرف أن (مَنْ) للعاقل، ولنا أن نسأل: لماذا خصَّ العاقل مع أن لك ما في الكون خاضع لله طائع مُسبِّح يدخل في دائرة القنوت لله؟ قالوا: لأن التمرد لا يأتي إلا من ناحية العقل؛ لذلك بدأ الله به، أما الجماد الذي لا عقلَ له، فأمره يسير حيث لا يتأبَّى منه شيء على الله، لا الجماد ولا الحيوان ولا النبات.
تأمل مثلاً الحمار تُحمِّله القاذورات فيحمل، فإذا رقَّيْته وجعلته مطية للركوب لا يعترض، لا عصى في الأولى، ولا عصى في الأخرى؛ لأنه مُذلَّل لك بتذليل الله، ما ذلَّلته لك بعقلك ولا بقوتك {أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا خَلَقْنَا لَهُم مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَآ أَنْعاماً فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ} [يس: 71 - 72] .
وضربنا لذلك مثلاً بالجمل لما ذلَّله الله لك استطاع الغلام الصغير أنْ يقوده ويُنيخه ويركبه ويحمله، أما الثعبان الصغير فيُخيفك رغم صِغَره؛ لأن الله لم يُذلِّله لك.

الصفحة 11383