كتاب تفسير الشعراوي (اسم الجزء: 7)

وحين يقول الحق سبحانه بعد سرعة العقاب {وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌْ} قد نجد من يسأل كيف والحديث هنا عن العقاب؟ ونقول: إنه سبحانه الذي يتكلم. وهو القادر، فإذا قال: أنه لسريع العقاب، فهذا يعني أنه يسرع بعقاب المفسدين والظالمين؛ لأنه غفور رحيم بالمظلومين الذين يُظلمون، إذن فسرعة عقاب الظّلمَة رحمة منه بالمظلومين. أو أن الله كما قال «سريع العقاب» فإنه - سبحانه - يأتي بالمقابل لكي يشجع كل إنسان على الدخول في رحمته.
ويقول سبحانه بعد ذلك: {وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الأرض ... }
وقد قال سبحانه قبل ذلك أيضاً: {وَقَطَّعْنَاهُمُ اثنتي عَشْرَةَ أَسْبَاطاً أُمَماً ... } [الأعراف: 160]
ولكن القول هنا يجيء لمعنى آخر: {وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الأرض أُمَماً مِّنْهُمُ الصالحون وَمِنْهُمْ دُونَ ذلك} .
وقد قطعهم الحق حتى لا يبقى لهم وطن، ويعيشون في ذلة؛ لأنهم مختلفون غير متفقين مع بعضهم منذ البداية، كانوا كذلك منذ أن كانوا أسباطاً وأولاد إخوة على خلاف دائم. وهنا يقول الحق: {وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الأرض أُمَماً} .
ومعنى {وَقَطَّعْنَاهُمْ} أي أن كل قطعة يكون لها تماسك ذاتي في نفسها، وأيضاً لا تشيع في المكان الذي تحيا فيه، ولذلك قلنا: إنهم لا يذوبون في المجتمعات أبداً، - كما قلنا - فعندما تذهب إلى أسبانيا مثلاً تجد لهم حيًّا خاصًّا، كذلك

الصفحة 4419