وهذه الإفسادة هي ما نحن بصدده الآن، حيث سيتجمع اليهود في وطن واحد ليتحقق وَعْد الله بالقضاء عليهم، وهل يستطيع المسلمون أن ينقضُّوا على اليهود وهم في شتيت الأرض؟ لا بُدَّ أن الحق سبحانه أوحى إليهم بفكرة التجمُّع في وطن قومي لهم كما يقولون، حتى إذا أراد أَخْذهم لم يُفلتوا، ويأخذهم أخْذ عزيز مقتدر.
وهذا هو المراد من قوله تعالى: {جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفاً} [الإسراء: 104] أي: مجتمعين بعضكم إلى بعض من شَتّى البلاد، وهو ما يحدث الآن على أرض فلسطين.
ثم يقول الحق سبحانه: {وبالحق أَنْزَلْنَاهُ وبالحق نَزَلَ ... } .
قوله تعالى: {وبالحق أَنْزَلْنَاهُ. .} [الإسراء: 105]
الحق من حقَّ الشيء. أي: ثبت، فالحقّ هو الشيء الثابت الذي لا يطرأ عليه التغيير أبداً، أما الباطل فهو مُتغير مُتلوّن لأنه زَهُوق، والباطل له ألوان متعددة، والحق ليس له إلا لون واحد.
لذلك لما ضرب الله لنا مثلاً للحق والباطل، قال سبحانه: {أَنَزَلَ مِنَ السمآء مَآءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فاحتمل السيل زَبَداً رَّابِياً وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النار ابتغآء حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِّثْلُهُ كذلك يَضْرِبُ الله الحق والباطل فَأَمَّا الزبد فَيَذْهَبُ جُفَآءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ الناس فَيَمْكُثُ فِي الأرض كذلك يَضْرِبُ الله الأمثال} [الرعد: 17]
فإنْ رأيت في عَصْر من العصور خَوَرَاً يصيب أهل الحق، وعُلُواً يحالف أهل الباطل فلا تغتر به، فهو عُلُوّ الزَّبَد يعلو صَفْحة