كتاب العقد الثمين في شرح أحاديث أصول الدين

فيصير مع السبعين ألفا يدخلون الجنة بغير حساب (1) .
فهذا الذي ذكرنا هو تحقيق معنى لا إله إلا الله محمد رسول الله, وتصديق إياك نعبد وإياك نستعين؛ لأن معناها أنه لا يؤله غيره حبا ورجاء وخوفا ورغبة ورهبة وطاعة وخضوعا وغير ذلك, ولا يعبد بأنواع العبادة إلا هو, ولا يستعيذ ولا يستعين إلا به وكل ما ذكرته لا يختلف من أهل التوحيد فيه اثنان, إذ كل ذلك قد قام عليه البرهان, ودلت عليه إجمالا وتفصيلا الأحاديث وآيات القرآن. قال الله تعالى: {وَقَال رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لكُمْ} (غافر: من الآية 60) .
وفي حديث النعمان بن بشير "الدعاء هو العبادة" (2) .
وفي حديث أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم "الدعاء مخ العبادة" (3) .
ومعلوم أن السؤال هو حقيقة العبادة, لأن فيه إظهار الذل والمسكنة والحاجة والافتقار, والاعتراف بقدرة المسئول على دفع هذا الضرر ونيل المطلوب, وجلب المنافع ودفع المضار, وكل هذا لا يصلح إلا لله وحده (4) .
ولولا اعتقاد المشرك فيمن يدعوه من دون الله, ما ذكرنا من قدرته على دفع الضرر وإيصال المطلوب إليه لما دعاه, واتخذه إلها من دون الله.
ولهذا كفار قريش وغيرهم إذا تعاظم عليهم الخطب, وتفاقم الكرب
__________
(1) رواه البخاري ورقمه (5705) ومسلم ورقمه (216) .
(2) رواه الترمذي (2969) وقال: حسن صحيح, ورواه أبو داود (1479) وابن ماجة (2828) وأحمد (4/267) من حديث النعمان بن بشير رضي الله عنه.
(3) رواه الترمذي (3371) والحديث فيه ضعف, قال الترمذي: "هذا حديث غريب من هذا الوجه, لا نعرفه من حديث أبي لهيعة".
(4) انظر: جامع العلوم والحكم (1/481) .

الصفحة 101