كتاب منهاج المسلم

البابُ الثَّالثُ: فِي الأخلاقِ
الفصلُ الأوَّلُ: فِي حسنِ الخلقِ وبيانهِ
الخلُقُ هيئةٌ راسخةٌ فيِ النَّفسِ تصدرُ عنهَا الأفعالُ الإراديَّهُ الاختياريَّةُ منْ حسنةٍ وسيئةٍ، وجميلةٍ وقبيحةٍ، وهيَ قابلةٌ بطعهَا لتأثيرِ التَّربيةِ الحسنةِ والسيئةِ فيهَا، فإذَا مَا رُبِّيتْ هذهِ الهيئةُ علَى إيثارِ الفضيلةِ والحقِّ، وحبِّ المعروفِ، والرغبةِ فيِ الخير، وروِّضتْ علَى حبِّ الجميلِ، وكراهيةِ القبيحِ، وأصبحَ ذلكَ طبعًا لهَا تصدرُ عنهُ الأفعالُ الجميلةُ بسهولةٍ ودونَ تكلُّفٍ؛ قيلَ فيهِ: خلقٌ حسنٌ. ونعتتْ تلكَ الأفعالُ الجميلةُ الصَّادرةُ عنهُ بدونِ تكلُّفٍ بالأخلاقِ الحسنةِ، وذلكَ كخلقِ الحلمِ والأناةِ، والصَّبرِ والتَّحمُّلِ، والكرمِ والشَّجاعة، والعدلِ والإحسانِ، ومَا إلَى ذلكَ منْ الفضائلِ الخلقيةِ، والكمالاتِ النفسيَّةِ.
كمَا أنَّهَا إذَا أُهملتْ فلم تهذَّبْ التَّهذيبَ اللَّائقَ بهَا، ولم يُعنَ بتنميةِ عناصرِ الخيرِ الكامنةِ فيهَا، أوْ ربِّيتْ تربيةً سيئةً حتى أصبحَ القبيحُ محبوبًا لهَا والجميلُ مكروهًا عندهَا، وصارتْ الرذائلُ والنقائصُ منْ الأقوالِ والأفعالِ تصدرُ عنهَا بدونِ تكلُّيف؛ قيلِ فيهَا: خلق سيئ، وسمِّيتْ تلكَ الأقوالُ والأفعالُ الذَّميمةُ الّتي تصدرُ عنهَا بالأخلاقِ السَّيئةِ، وذلكَ كالخيانةِ والكذبِ، والجزعِ والطّمعِ، والجفاءِ والغلظةِ والفحش والبذاءِ، ومَا إليهَا.
ومنْ هنَا نوَّهَ الإسلامُ بالخلقِ الحسنِ ودعَا إلَى تربيتهِ فيِ المسلمينَ، وتنميتهِ فيِ نفوسهم، واعتبرَ إيمانَ العبدِ بفضائلِ نفسهِ، وإسلامهُ بحسنِ خلقهِ، وأثنَى اللّهُ تعالَى علَى نبيهِ بحسنِ خلقهِ فقالَ: {وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ} [القلم: 4] . وأمرهُ بمحاسنِ الأخلاقِ فقالَ: {ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ} [فصلت: 34] ، وجعلَ الأخلاقَ الفاضلةَ سببًا تنالُ بهِ الجنَّةُ العاليةُ فقالَ: {وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (133) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} [آل عمران] . وبعثَ رسولهُ - صلى الله عليه وسلم - بإتمامهَا فقالَ عليهِ الصَّلاةُ والسلامُ: "إنَّما بعثتُ لأتمِّمَ مكارمَ الأخلاقِ" (¬1) . وبيَّنَ - صلى الله عليه وسلم - فضلَ محاسنِ الأخلاقِ فيِ غيرِ مَا قولٍ فقالَ: "مَا منْ شيءٍ فيِ الميزانِ أثقلُ منْ حسنِ الخلقِ" (¬2) . وقالَ: "البر حسنُ
¬__________
(¬1) ذكره البيهقي في السنن الكبرى (10/ 192) . وذكره الزبيدي في إتحاف السادة المتقين (6/ 171) .
(¬2) رواه الترمذي (2003) .

الصفحة 115