كتاب منهاج المسلم

الخلقِ" (¬1) . وقالَ: "أكملُ المؤمنينَ إيمانًا أحسنهمْ أخلافًا" (¬2) . وقالَ: "إنَّ منْ أحبكمْ إليَ وأقربكم مني مجلسًا يومَ القيامةِ أحاسنكم أخلاقًا" (¬3) وسئلَ عنْ أيِّ الأعمالِ أفضلُ؟ فقالَ: "حسنُ الخلقِ". وسئلَ عنْ أكثرِ مَا يدخلُ الجنَّةِ فقالَ: "تقوَى اللّهِ وحسنُ الخلقِ" (¬4) . وقالَ: "إنَّ العبدَ ليبلغُ بحسنِ خلقهِ عظيمَ درجاتِ الآخرةِ وشرفَ المنازلِ وإنَّهُ لضعيفُ العبادةِ" (¬5) .

آراءُ السلفِ فِي بيانِ حسنِ الخلقِ:
قالَ الحسنُ: حسنُ الخلقِ بسطُ الوجهِ، وبذلُ النَّدَى، وكفُّ الأذَى، وقالَ عبدُ اللّهِ بنُ المباركِ: حسنُ الخلقِ فيِ ثلاثِ خصالٍ: اجتنابِ المحارمِ، وطلبِ الحلالِ، والتَّوسعةِ علَى العيالِ، وقالَ آخرُ: حسنُ الخلقِ أنْ يكونَ منَ النَّاسِ قريبًا، وفيمَا بينهم غريبًا. وقالَ آخر: حسن الخلقِ كفُّ الأذَى واحتمالُ المؤمنِ. وقالَ آخرُ: حسنُ الخلقِ أنْ لَا يكونَ لكَ همٌّ غيرُ اللّهِ تعالَى. وهذَا كلهُ تعريفٌ لهُ ببعضِ جزئياتهِ، وأمَّا تعريفهُ باعتبارِ ذاتهِ وحقيقتهِ، فهوَ كمَا تقدَّمَ سابقًا.
وقالُوا في علامةِ ذِي الخلقِ الحسنِ: أنْ يكونَ كثيرَ الحياءِ، قليلَ الأذَى، كثيرَ الصَّلاحِ، صدوقَ اللِّسَانِ، قليلَ الكلامِ، كثيرَ العملِ، قليلَ الزَّللِ، قليلَ الفضولِ، برًّا وصولا، وقورًا، صبورًا شكورًا، رضيًّا حليمًا، وفيًّا عفيفًا، لَا لعَّانًا ولَا سبابًا، ولَا نمَّامًا ولَا مغتابًا، ولَا عجولاً ولَا حقودًا، ولَا بخيلًا ولَا حسودًا، بشَّاشًا هشَّاشًا، يحبُّ في اللّهِ ويبغضُ فيِ الله ويرضَى فيِ اللّهِ، ويسخطُ فيِ اللّهِ. وهذَا أيضًا منهم تعريفٌ لذِي الخلقِ الحسنِ ببعضِ صفاتهِ.
وفيِ الفصولِ الآتيةِ كلُّ صفة منْ صفاتِ الخلقِ الحسن علَى حدة، وباستيفاءِ مجموع تلكَ الصِّفاتِ يتشخَّصُ الخلقُ الحسنُ باعتبارِ أجزائهِ، ويظهرُ ويتميزُ ذُو الخلقِ الحسنِ باعتبارِ صفاتهِ.
***

الفصلُ الثَّانِي: فِي خلقِ الصَّبرِ، واحتمالِ الأذَى
منْ محاسنِ أخلاقِ المسلمِ الَّتي يتحلى بهَا: الصَّبرُ، واحتمالُ الأذَى فيِ ذاتِ اللّهِ تعالَى.
أمَّا الصبرُ فهوَ حبسُ النَّفسِ علَى مَا تكرهُ، أوِ احتمالُ المكروهِ بنوعٍ منَ الرضَا والتَّسليمِ.
فالمسلمُ يحبسُ نفسهُ علَى مَا تكرههُ منْ عبادةِ اللّهِ وطاعتهِ، ويلزمهَا بذلكَ إلزامًا، ويحبسها
¬__________
(¬1) رواه مسلم (14) كتاب البر والصلة.
(¬2) رواه أبو داود (4682) . ورواه الإمام أحمد (2/ 250، 472، 527) .
(¬3) رواه الترمذي (2018) .
(¬4) ذكره الهيثمي في موارد الظمآن (1923، 2004) .
(¬5) أورده الطبراني في المعجم الكبير (1/ 233) بسند جيد.

الصفحة 116