كتاب منهاج المسلم

دونَ معاصِي اللّهِ عز وجل فلا يسمحُ لهَا باقترابهَا، ولَا يأذنُ لهَا فيِ فعلهَا مهمَا تاقتْ لذلكَ بطبعهَا، وهشَّتْ لهُ، ويحبسهَا علَى البلاءِ إذَا نزل بهَا فلَا يتركهَا تجزعُ، ولَا تسخطُ؛ إذِ الجزعُ -كمَا قالَ الحكماءُ- علَى الفائتِ آفةٌ، وعلَى المتوقَّعِ سخافةٌ، والسُّخطُ علَى الأقدارِ معاتبةٌ للّهِ الواحدِ القهَّارِ، وهوَ فيِ كُل ذلكَ مستعينٌ بذكرِ وعدِ اللّهِ بالجزاءِ الحسنِ علَى الطَّاعاتِ، ومَا أعدَّ لأهلهَا منْ جزيلِ الأجرِ، وعظيمِ المثوباتِ، وبذكرِ وعيدهِ تعالَى لأهلِ بغضتهِ وأصحابِ معصيتهِ، منْ أليمِ العذابِ، وشديدِ العقابِ، ويتذكَّر أنَّ أقدارَ اللّهِ جاريةٌ، وأنَّ قضاءهُ تعالَى عدلٌ، وأنَّ حكمهُ نافذٌ، صبرَ العبدُ أمْ جزعَ، غيرَ أنَّهُ معَ الصَّبرِ الأجرُ، ومعَ الجزعِ الوزرُ.
ولماَّ كانَ الصبرُ وعدمُ الجزعِ منْ الأخلاقِ التي تكتسبُ وتنالُ بنوع منَ الرياضةِ والمجاهدةِ؛ فالمسلمُ بعدَ افتقارهِ إلَى اللّهِ تعالَى أنْ يرزقهُ الصّبرَ، فإنهُ يستلهمُ الصَّبرَ بذكرِ مَا وردَ فيهِ من أمرٍ، ومَا وعدَ عليهِ منْ أجرٍ، كقولهِ تعالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [آل عمران: 200] ، وقولهِ: {وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ} [البقرة: 45] . وقولهِ: {وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ} [النحل: 127] . وقولهِ: {وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ} [لقمان: 17] . وقولهِ تعالَى: {وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (155) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (156) أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ} [البقرة] . وقولهِ: {وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [النحل: 96] . وقولهِ: {وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ} [السجدة: 24] . وقوله: {إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ} [الزمر: 10] . وكقولِ الرسولِ - صلى الله عليه وسلم -: "الصَّبرُ ضياءٌ" (¬1) . وقولهِ: "ومنْ يستعففْ يعفّهُ اللَّهُ ومنْ يستغنِ يغنهِ الله ومنْ يتصبَّر يصبرهُ اللَّهُ، ومَا أعطى أحدٌ عطاءً خيرًا وأوسعَ منَ الصبر" (¬2) . وقولهِ: "عجبا لأمرِ المؤمنِ إنّ أمرهُ كلَّهُ لهُ خيرٌ وليسَ ذلكَ لأحد إلاَّ للمؤمنِ، إنْ أصابتهُ سرَّاءُ شكرَ فكانَ خيرًا لهُ وإنْ أصابتهُ ضرَّاءُ صبرَ فكانَ خيرًا لهُ" (¬3) . وقولهِ عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لابنتهِ وقدْ أرسلتْ إليهِ تطلبُ حضورهُ، إذْ ولدهَا قدِ احتضرَ فقالَ لرسولهَا: "أقرئها السَّلامَ، وقلْ لهَا: إنَّ للَّهِ مَا أخذَ ولهُ مَا أعطَى، كل شيءٍ عندهَ بأجلٍ مسمًّى، فلتصبر ولتحتسبْ" (¬4) . وقولهِ: "يقولُ اللَّهُ عز وجل: إذَا ابتليتُ عبدِي بحبيبتيهِ (عينيهِ) فصبر عوَّضتهُ منهمَا الجنَّةَ" (¬5) . وقولهِ: "منْ يردِ اللَّهُ
¬__________
(¬1) رواه مسلم (1) كتاب الطهارة.
(¬2) رواه البخاري في صحيحه (18) كتاب الزكاة.
(¬3) رواه مسلم (63) كتاب الزهد.
(¬4) رواه البخاري (2/ 100) ، (7/ 152) .
(¬5) رواه البخاري. وذكره البيهقي في السنن الكبرى (3/ 375) .

الصفحة 117