كتاب منهاج المسلم
بهِ خيرًا يصبْ منهُ" (¬1) . وقولهِ: "إنّ عظمَ الجزاءِ معَ عظمِ البلاءِ، وإنَّ اللَّهَ تعالَى إذَا أحبّ قومًا ابتلاهم فمنْ رضيَ فلهُ الرضَا، ومنَ سخطَ فلهُ السُّخطُ" (¬2) . وقولهِ عليه السلام: "مَا يزالُ البلاءُ بالمؤمنِ فيِ نفسهِ وولدهِ ومالهِ حتّى يلقَى اللّهَ ومَا عليهِ خطيئةٌ" (¬3) .
وأمَّا احتمالُ الأذَى فهوَ الصَّبرُ ولكنَّهُ أشق، وهوَ بضاعةُ الصِّدِّيقين، وشعارُ الصّالحينَ، وحقيقتهُ أنْ يؤذَى المسلمُ في ذاتِ اللّهِ تعالَى فيصبرَ ويتحمَّلَ، فلَا يردَّ السَّيئةَ بغيرِ الحسنةِ، ولَا ينتقمَ لذاتهِ، ولَا يتأثَّرَ لشخَصيَّتهِ مَا دامَ ذلكَ فيِ سبيلِ اللّهِ، ومؤدِّيا إلَى مرضاتِ اللّهِ، وأسوتهُ في ذلكَ المرسلونَ الصَّالحونَ إذْ يندرُ منْ لم يؤذَ منهم فيِ ذاتِ اللّهِ، ولم يبتلَ فيِ طريقهِ إلَى الَوصولِ إلَى اللّهِ. قالَ عبدُ اللّهِ بنُ مسعود رضيَ اللّهِ عنهُ: كأنِّي أنظرُ إلَى رسولِ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - يحكِي نبيا منَ الأنبياءِ صلواتُ اللّهِ وسلامهُ عليهم ضربهُ قومهُ فأدموهُ وهوَ يمسحُ الدّمَ عنْ وجههِ ويقولُ: "اللَّهمَّ اغفر لقومِي فإنَّهم لَا يعلمونَ" (¬4) .
هذهِ صورةٌ منْ صورِ احتمالِ الأذَى كانتْ لرسولِ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم -. وصورةٌ أخرَى لهُ: قسمَ يومًا مالًا، فقالَ أحدُ الأعرَاب: قسمةٌ مَا أريدَ بهَا وَجْهُ اللّهِ، فبلغَ ذلكَ رسولَ اللّهِ عز وجل - صلى الله عليه وسلم - فاحمرَّتْ وجنتاهُ، ثمَّ قالَ: "يرحمُ الله أخِي موسَى لقدْ أُوذيَ بأكثرَ منْ هَذَا فصبرَ" (¬5) .
وقالَ خبَّابُ بنُ الأرتِّ - رضي الله عنه -: شكونَا إلَى رسولِ اللّهِ عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وهوَ متوسِّدٌ بردةً لهُ في ظلِّ الكعبةِ، فقلنَا: ألَا تستنصر لنَا، ألَا تدعُو لنَا فقالَ: "قدْ كانَ منْ قبلكمْ يؤخذُ الرَّجَلُ فيحفرُ لهُ في الأرضِ فيجعلُ فيهَا، ثمَّ يؤتَى بالمنشارِ، فيوضعُ علَى رأسهِ فيجعلُ نصفيِن، ويمشَّطُ بأمشاطِ الَحديدِ مَا دونَ لحمهِ وعظمهِ مَا يصدُّهُ ذلكَ عنْ دينِ اللّهِ" (¬6) .
وقصَّ اللّهُ لنَا عنِ المرسلينَ وحكَى عنهم قولهم وهم يتحمَّلونَ الأذَى فقالَ: {وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ} [إبراهيم: 12] . وكانَ عيسَى ابنُ مريمَ عليه السلام يقولُ لبني إسرائيلَ: "لقدْ قيلَ لكم منْ قبلُ إنَّ السِّنّ بالسنِّ والأنفَ بالأنفِ، وأنَا أقولُ لكم: لَا تقاومُوا الشَّرَّ بالشَّر بلْ منْ ضربَ خدَّكَ الأيمنَ فحوِّلْ إليهِ الخدّ الأيسرَ، ومنْ أخذَ منكَ رداءكَ فأعطهِ إزاركَ" (¬7) . وكانَ بعضُ أصحابِ رسولِ اللّهُ - صلى الله عليه وسلم - يقولونَ: ما كنَّا نعد إيمانَ الرَّجلِ إيمانًا إذَا لم يصبر علَى الأذَى!.
¬__________
(¬1) رواه البخاري (7/ 149) .
(¬2) رواه الترمذي (2396) .
(¬3) رواه الترمذي (2399) .
(¬4) رواه البخاري (54) كتاب الأنبياء ومسلم (104) كتاب الجهاد.
(¬5) رواه البخاري (1/ 42) ، (4/ 191) . ورواه مسلم (140) كتاب الزكاة.
(¬6) رواه البخاري (9/ 26) .
(¬7) ذكره الإمام الغزالي في إحياء علوم الدين.
الصفحة 118