كتاب منهاج المسلم

علَى ضوءِ هذهِ الصُّور النّاطقةِ، والأمثلةِ الحيةِ منَ الصَّبرِ والتَّحمُّلِ يعيشُ المسلمُ صابرًا محتسبا متحمِّلا، لَا يشكو ولَا يتسخَّطُ، ولَا يدفعُ المكروهَ بالمكروهِ، ولكنْ يدفعُ السَّيئةَ بالحسنةِ ويعفُو ويصبرُ ويغفرُ: {وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ} [الشورى: 43] .
***

الفصل الثَّالثُ فِي خلقِ التَّوكلِ علَى الله تعالَى والاعتمادِ علَى النَّفسِ
المسلمُ لَا يرَى التَّوكُّلَ علَى اللّهِ تعالَى في جميع أعمالهِ واجباً خلقيًّا فحسبُ، بلْ يراهُ فريضةً دينية، ويعدُّهُ عقيدةً إسلاميَّة، وذلك لأمرِ اللَّهِ تعالَى بهِ في قولهِ: {وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} [المائدة: 23] . وقولهِ: {وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ} [آل عمران: 122] .
لهذَا كانَ التَّوكُّلُ المطلقُ علَى اللّهِ سبحانهُ وتعالَى جزءًا منْ عقيدةِ المؤمنِ باللّهِ تعالَى.
والمسلمُ إذْ يدينُ للّهِ تعالَي بالتَّوكُّلِ عليهِ، والاطِّراحِ الكاملِ بينَ يديهِ، لَا يفهمُ منَ التوكلِ مَا يفهمهُ الجاهلونَ بالإسلامِ وخصومِ عقيدةِ المسلمينَ، منَ أنَّ التّوكلَ مجردُ كلمةٍ تلوكهَا الألسنُ، ولَا تعيهَا القلوبُ، وتتحركُ بهَا الشِّفاهُ ولَا تفهمهَا العقولُ، أوْ تتروَّاهَا الأفكارُ، أوْ هوَ نبذُ الأسبابِ، وتركُ العملِ، والقنوعُ والرضَا بالهونِ والدُّونِ تحتَ شعارِ التَّوكلِ علَى اللّهِ، والرضَا بمَا تحرِي بهِ الأقدارُ.. لَا أبدًا! بلِ المسلمُ يفهمُ التَّوكُّلَ الَّذِي هوَ جزءٌ منْ إيمانهِ وعقيدتهِ أنَّهُ طاعةُ اللّهِ بإحضارِ كافَّةِ الأسبابِ المطلوبةِ لأيِّ عملٍ منَ الأعمالِ الَّتي يريدُ مزاولتهَا والدخولَ فيهَا، فلَا يطمعُ في ثمرةٍ بدونِ أنْ يقدِّمَ أسبابهَا، ولَا يرجُو نتيجة مَا بدونِ أنْ يضعَ مقدِّمتهَا، غيرَ أنَّ موضوعَ إثَمارِ تلكِ الأسبابِ، وإنتاجِ تلكَ المقدِّماتِ يفوِّضهُ إلَى اللّهِ سبحانهُ وتعالَى؛ إذْ هوَ القادرُ عليةِ دونَ سواهُ.
فالتَّوكُلُ عندَ المسلمِ إذا هوَ عمل وأمل، معَ هدوءِ قلبٍ وطمأنينةِ نفسٍ، واعتقاد جازمٍ أن مَا شاءَ اللّهُ كانَ، ومَا لم يشأْ لم يكنْ، وأنَّ اللّهَ لَا يضيعُ أجرَ منْ أحسنَ عملاً.
والمسلمُ إذْ يؤمنُ بسننِ الله فيِ الكونِ فيعد للأعمالِ أسبابهَا المطلوبةَ لهَا، ويستفرغُ الجهدَ فيِ إحضارهَا وإكمالهَا؛ لَا يعتقدُ أبدًا أنَّ الأسبابَ وحدهَا كفيلةٌ بتحقيقِ الأغراضِ، وإنجاحِ المساعِي.. لَا، بلْ يرَى وضعَ الأسبابِ أكثرَ منْ شيء أمرَ اللّهُ بهِ، يجبُ أنْ يطاعَ فيهِ كمَا يطاعُ فيِ غيرهِ ممَّا يأمر بهِ وينهَى عنهُ، أما الحصولُ علَى النَّتائجِ، والفوزُ بالرغائبِ فقدْ وكَّلَ

الصفحة 119