كتاب منهاج المسلم
أمرهمَا إلَى اللّهِ تعالَى؛ إذْ هوَ القادرُ علَى ذلكَ دونَ غيرهِ، وأنَّ ما شاءَ كانَ ومَا لم يشأْ لم يكنْ، فكمْ منْ عامل كادحٍ لم يأكلْ ثمرةَ عملهِ وكدحهِ، وكم منْ زارعٍ لم يحصدْ مَا زرعَ.
ومنْ هنَا كانتْ نظرةُ المسلمِ إلَى الأسبابِ: أنَّ الاعتمادَ عليهَا وحدهَا واعتبارهَا هيَ كل شيء فيِ تحقيق المطلوبِ كفرٌ وشركٌ، يتبرأُ منهُ، وأنَّ تركَ الأسبابِ المطلوبةِ لأيِّ عمل وإهمالهَا وهوَ قادرٌ علَى إعدادها وإيجادها فسقٌ ومعصيةٌ يحرمهمَا ويستغفرُ اللّهَ تعالَى منهمَا.
والمسلمُ في نظرتهِ هذهِ إلَى الأسبابِ مستمدٌّ فلسفتَها منْ روحِ إسلامهِ، وتعاليمِ نبيِّهِ محمّدٍ - صلى الله عليه وسلم -. فرسول اللّهِ كانَ فيِ حروبهِ الطويلةِ العديدةِ لَا يخوضُ معركةً حتَّى يعدَّ لهَا عدَّتهَا ويهيئ لهَا أسبابهَا، فيختارَ حتّى مكان المعركةِ وزمانهَا، فقدْ أثِرَ عنهُ - صلى الله عليه وسلم - أنَّهُ كانَ لَا يشن غارةً في الحر إلاَّ بعدَ أنْ يبردَ الجو، ويتلطَّفَ الهواءُ منْ آخرِ النَّهارِ، بعدَ أنْ يكونَ قدْ رسمَ خطَّتهُ، ونظِّمَ صفوفهُ، وإذَا فرغَ منْ كلِّ الأسبابِ المادِّيَّةِ المطلوبةِ لنجاحِ المعركةِ؛ رفعَ يديهِ سائلاً اللّهَ عز وجل: "اللَّهم منزلَ الكتابِ ومجريَ السَّحابِ وهازمَ الأحزابِ اهزمهم وانصرنَا عليهمْ" (¬1) .
وكذلكَ كانَ هديهُ - صلى الله عليه وسلم - فيِ الجمعِ بينَ الأسبابِ المادِّيَّةِ والروحيَّةِ، ثمّ يعلِّقُ أمرَ نجاحهِ علَى ربِّهِ وينوطُ فلاحهُ وفوزهُ بمشيئةِ مولاهُ. هذا مثالٌ!.
ومثالٌ آخرُ: فقدِ انتظرَ - صلى الله عليه وسلم - أمرَ ربِّهِ فيِ الهجرةِ إلَى المدينةِ بعدَ أنْ هاجرَ إليهَا جلُّ أصحابهِ، وجاءهُ الإذنُ منَ اللّهِ تعالَى بالهجرةِ، فمَا هِي التَّرتيباتُ الّتي اتَّخذهَا رسولُ اللّهِ عليهِ الصّلاةُ والسَّلامُ لهجرتهِ؟ .. إنَّهَا:
1- إحضارُ رفيقٍ منْ خيرةِ الرُّفقاءِ ألَا وهوَ صاحبهُ أبُو بكر الصِّدِّيقُ - رضي الله عنه - ليصحبهُ فيِ طريقهِ إلَى دارِ هجرتهِ.
2 - إعدادُ زادِ السَّفرِ منْ طعامٍ وشراب، ربطتهُ أسماءُ بنتُ أبِي بكر بنطاقهَا حتَّى لقِّبتْ بذاتِ النِّطاقيِن.
3 - إعدادُ راحلة ممتازة للرُّكوبِ عليهَا فيِ هذَا السَّفرِ الشَّاقِّ الطَّويلِ.
4 - إحضارُ خريتٍ (جغرافي) عالمٍ بمسالكِ الطَّريقِ ودروبهَا الوعرةِ ليكونَ دليلًا وهاديًا فيِ هذهِ الرحلةِ الصَّعبةِ.
5 - ولماَّ أرادَ أنْ يخرجَ منْ بيتهِ الَّذِي طوَّقهُ العدوُّ وحاصرهُ فيهِ حتى لَا ينفلتَ منه، أمرَ - صلى الله عليه وسلم - ابنَ عمِّهِ على بنَ أبِي طالبٍ - رضي الله عنه - أنْ ينامَ على فراشهِ تمويها علَى العدوُّ الَّذِي مَا برحَ ينتظرُ خروجهُ
¬__________
(¬1) رواه البخاري (4/ 53، 62) . ورواه مسلم (20، 21) كتاب الجهاد. ورواه الترمذي (1678) .
الصفحة 120