كتاب منهاج المسلم
منَ المنزلِ ليفتكَ بهِ، ثم خرجَ وتركَ العدو ينتظر قومتهُ منْ فراشهِ الذِي يتراءَى لهمْ منْ خلالِ شقوقِ البابَ.
6 - لمَاَ طلبهُ المشركونَ واشتدوا وراءهُ يبحثونَ عنهُ وعنْ صاحبهِ أبِيْ بكرٍ الصدِّيقِ الَّذِي فر معهُ، أوَى اٍلَى غارِ ثورٍ فدخَل فيهِ ليستترَ عنْ أعينِ طالبيهِ النَّاقمينَ الحاقدينَ عليهِ.
7 - لمَّا قالَ لهُ أبُو بكرٍ: لوْ أنَّ أحدهم نظرَ تحتَ قدمه لأبصرناَ يَا رسولَ اللّهِ قالَ لهُ: "مَا ظنكَ يَا أبَا بكرٍ باثنينِ اللّهُ ثالثهمَا؟! " (¬1) .
فمنْ خلالِ هذهِ الحادثةِ التي تجلتْ فيهَا حقائقُ الإيمانِ والتَّوكُّلِ معًا يشاهدُ أنّ الرسولَ عليهِ الصَّلاةُ والسلامُ كانَ لَا ينكر الأسبابَ، ولَا يعتمدُ عليهَا، وأن آخرَ الأسبابِ للمؤمنِ اطِّراحهُ بينَ يديِ اللّهِ، وتفويضهُ أمرَهُ إليهِ فيِ ثقةٍ واطمئنانٍ.. إنَّ الرسولَ - صلى الله عليه وسلم - لماَّ استنفدَ جميعَ الوسائلِ فيِ طلبِ النجاةِ حتى حشرَ نفسهُ التي طلبَ النَّجاةَ لهَا في غار مظلم تسكنهُ العقاربُ والحيَّاتُ؛ قالَ في ثقةِ المؤمنِ ويقينِ التوكِّلِ لصاحبهِ لما ساورهُ الخوف: "لَا تحزنْ إن اللّهَ معنَا، مَا ظنُكَ يَا أبَا بكَير باثنينِ اللّهُ ثالثهمَا؟! ".
ومنْ هذَا الهديِ النبويِّ والتَّعليمِ المحمديِّ اقتبسَ المسلمُ نظرتَه تلكَ إلَى الأسبابِ، فليسَ هوَ فيهَا مبتدعًا ولَا متنطِّعًا، وإنّمَا هوَ مؤتس ومقتدٍ.
أما الاعتمادُ علَى النفسِ: فإن المسلمَ لَا يفهمُ منهُ مَا يفهمهُ المحجوبونَ بمعاصيهم عنْ أنفسهم منْ أنهُ عبارةٌ عنْ قطعِ الصِّلةِ باللهِ تعالَى، وأنَّ العبدَ هوَ الخالقُ لأعمالهِ، والمحقِّقُ لكسبهِ وأرباحهِ بنفسهِ، وأنهُ لَا دخلَ للّهِ فيِ ذلكَ!! تعالَى اللّهُ عمَّا يتصوَّرونَ.
وإنَّمَا المسلمُ إذْ يقولُ بوجوبِ الاعتمادِ علَى النفسِ فيِ الكسبِ والعملِ يريدُ بذلكَ أنَّهُ لَا يُظهرُ افتقارهُ إلَى أحد غيرِ اللّهِ، ولَا يبدِي احتياجَه إلَى غيرِ مولاهُ، فإذَا أمكنهُ أنْ يقومَ بنفسهِ علَى عملهِ فإنهُ لَا يسندهُ إلَى غيرهِ، وإذَا تأتّى لهُ أنْ يسدَّ حاجتهُ بنفسهِ فلَا يطلبُ معونةَ غيرهِ، ولَا مساعدةَ أحدٍ سوَى اللّهِ؛ لماَ فيِ ذلكَ منْ تعلُّقِ القلبِ بغيرِ اللّهِ، وهوَ مَا لَا يحبُّهُ المسلمُ ولا يرضاهُ.
والمسلمُ في هذَا هوَ سالكٌ دربَ الصَّالحينَ، وماض علَى سننِ الصِّدِّيقينَ، فقدْ كانَ أحدهمْ إذَا سقطَ سوطَهُ منْ يدهِ وهوَ راكبٌ علَى فرسهِ ينزلُ إلَى الأرضِ ليتناولهُ بنفسهِ ولَا يطلبُ منْ أحدٍ أنْ يناولهُ إيَّاهُ، وقدْ كانَ رسولُ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - يبايعُ المسلمَ علَى إقامةِ الصلاةِ وإيتاء الزَّكاةَ، وأنْ لَا يسألَ أحدًا حاجتهُ غيرَ اللّهِ تعالَى.
¬__________
(¬1) رواه البخاري (4/ 246) ، (5/ 4) .
الصفحة 121