كتاب منهاج المسلم

والمسلمُ إذْ يعيشُ علَى هذهِ العقيدةِ منَ التَّوكُّلِ علَى اللّهِ والاعتمادِ علَى النَّفسِ يغذِّي عقيدتهُ هذهِ وينمِّي خلقهَ ذاكَ بإيرادِ خاطرهِ منَ الوقتِ إلَى الوقتِ علَى هذهِ الآياتِ النُّورانيَّةِ، والأحاديثِ النبويةِ التي استمد منهَا عقيدتهُ، واستوحَى منهَا خلقهُ، وذلكَ كقولِ اللّهِ تعالَى: {وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ} [الفرقان: 58] . وَقَوْلِهِ: {وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ} [آل عمران: 173] . وقولهِ تعالَى: {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ} [آل عمران: 159] . وكقولِ الرسولِ - صلى الله عليه وسلم -: "لوْ أنكم تتوكَلونَ علَى اللَّهِ حقَّ توكُّلهِ لرزقكم كمَا يرزقُ الطيرَ تغدو خماصًا وتروح بطانًا" (¬1) . وقولهِ إذَا خرجَ منْ بيتهِ: "بسمِ اللهِ توكَّلتُ علَى اللهِ ولَا حولَ ولَا قوَّةَ إلا باللهِ" (¬2) وقولهِ في السبعينَ ألفًا الذينَ يدخلونَ الجنَّةَ بغيرِ حساب ولَا عذاب: "همُ الذينَ لَا يسترقونَ، ولَا يَكتوونَ، ولَا يتطيرونَ، وعلَى ربهم يتوكَلونَ" (¬3) .
***

الفصلُ الرَّابعُ: فِي الإيثارِ وحب الخيرِ
منْ أخلاقِ المسلمِ التي اكتسبهَا منْ تعاليمِ دينهِ، ومحاسنِ إسلامهِ: الإيثارُ علَى النفسِ، وحب للغيرِ.. فالمسلمُ متَى رأَى محلاً للإيثارِ آثرَ غيرهُ علَى نفسهِ، وفضَلهُ عليهَا، فقدْ يجوعُ ليشبعَ غيرهُ، ويعطشُ ليروي سواهُ، بلْ قدْ يموتُ في سبيلِ حياةِ آخرينَ، ومَا ذلكَ ببعيد ولَا غريبا علَى مسلمٍ تشبَّعتْ روحهُ بمعاني الكمالِ، وَانطبعتْ نفسهِ بطابعِ الخيرِ وحبِّ الفضيلةِ والجميلِ.. تلكَ هيَ صبغةُ اللّهِ ومنْ أحسنُ منَ اللّهِ صبغةً؟.
والمسلمُ فيِ إيثارهِ وحبهِ للخيرِ ناهجٌ نهجَ الصَّالحينَ السابقينَ وضاربٌ فيِ دربِ الأولينَ الفائزينِ الَّذينَ قاَل اللّهُ فيهم في ثنائهِ عليهم: {وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [الحشر: 9] . إنَّ كلَّ خلائقِ المسلمِ الفاضلةِ، وكل خصالهِ الحميدةِ الجميلةِ؛ إنَّمَا هيَ مستقاةٌ منْ ينابيعِ الحكمةِ المحمديَّةِ، أوْ مستوحاةٌ منْ فيوضاتِ الرحمةِ الإلهيةِ، فعلَى مثلِ قولِ الرسولِ الكريمِ المتَّفقِ عليهِ: "لَا يؤمنُ أحدكمْ حتَّى يحبَّ لأخيهِ مَا يحب لنفسهِ" تزدادُ أخلاقُ المسلمِ سموًّا وعلوًّا، وعلَى مثلِ قولِ اللّهِ تعالَى: {وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} كان شعورُ المسلمِ بحب الخيرِ والرغبةِ فيِ الإيثارِ علَى النَفسِ والأهلِ والولدِ يزدادُ قوَّة ونموًّا.
¬__________
(¬1) رواه الإمام أحمد (1/ 30) .
(¬2) سبق تخريجه.
(¬3) رواه مسلم (198) . ورواه الإِمام أحمد (1/ 321، 454) .

الصفحة 122