كتاب منهاج المسلم

إنَّ عبدًا كالمسلمِ يعيشُ موصولا باللّهِ، لسانهُ لا يفتأُ رطبًا بذكرهِ، وقلبهُ لَا يبرحُ عاكفًا علَى حبِّهِ، إنْ سرَّحَ في ملكوتِ النّظرِ جنَى العبرَ، وإنْ أوردَ الخاطرَ علَى مثل آيَاتِ المزَّمِّلِ وفاطرٍ: {وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا} [المزمل: 20] . {وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ (29) لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ} [فاطر: 29 - 30] . احتقرَ الدُّنيَا وازدراهَا واصطفَى الآخرةَ واجتباهَا، ومنْ كانَ هذَا حالهُ فكيفَ لَا يبذلُ بسخاءٍ مالهُ.. ولمَ لَا يحبُّ الخيرَ ولَا يؤثرُ الغيرَ مَنْ علمَ أن مَا يقدِّمهُ اليومَ يجدهُ غداً هوَ خيرًا وأعظمَ أجرًا، وها هي ذي خمسٌ منْ آياتِ إيثارِ المسلمِ وحبِّهِ للخيرِ نتلوهَا بالحقِّ لقومٍ يعقلونَ: 1 - في دارِ الندوةِ، وافقَ مجلسُ شيوخِ قريشٍ بإجماعِ الآراءِ علَى اقتراح تقدَّمَ بهِ أبُو مرةَ -لعنةُ اللّهِ عليهِ- يقضِي بقتلِ النبي - صلى الله عليه وسلم - واغتيالهِ فيِ منزلهِ، وبلغَ رسولَ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - القرارُ الجائرُ، وقدْ أُذِنَ لهُ بالهجرةِ، فعزمَ عليهَا، وبحثَ علَى منْ ينامُ علَى فراشهِ ليلًا؛ ليموِّهَ علَى المتربِّصينَ لهُ ليبطشُوا بهِ، فيغادرَ المنزلَ ويتركهم ينتظرونَ قيامهُ منْ فراشهِ، فوجدَ ابنَ عمِّهِ الشَّاب المسلمَ علي بنَ أبي طالبٍ - رضي الله عنه - أهلاً للفداءِ والتَّضحيةِ، فعرضَ عليهِ الأمرَ فلم يترددْ علي في أنْ يقدِّمَ نفسهُ فداء لرسولِ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - فينامُ علَى فراشٍ لَا يدرِي متَى تتخطَّفهُ الأيدِي منهُ لترَميَ بهِ إلَى المتعطِّشينَ إلَى الدِّماءِ يلعبونَ بهِ بسيوفهم لعبَ الكرةِ بالأرجلِ، ونامَ عليٌّ وآثرَ رسولَ اللّهِ بالحياةَ فضربَ بذلكَ علَى حداثةِ سنِّهِ أروعَ مثل فيِ التَّضحيةِ والفداءِ، وهكذَا يؤثرُ المسلمُ علَى نفسهِ ويجودُ حتى بنفسهِ والجودُ بالنفسِ أقصَى غايةِ الجودِ.
2 - قالَ حذيفةُ العدويُّ: انطلقتُ يومَ اليرموكِ أطلبُ ابنَ عم لي ومعِي شيء منْ ماءٍ وأنَا أقولُ: إنْ كانَ بهِ رمقٌ سقيتهُ، ومسحتُ بهِ وجههُ، فإذَا أنَا بهِ فقلتُ: أسقيكَ؟ فأشارَ إليَ أنْ نعم، فإذَا رجلٌ يقولُ: آه! فأشارَ ابنُ عمِّي إليَ أنْ انطلقْ بهِ إليهِ، فجئتهُ فإذَا هوَ هشامُ بنُ العاصِ، فقلتُ: أسقيكَ؟ فسمعَ بهِ آخر فقالَ: آه! فأشارَ هشامٌ أنِ انطلقْ بهِ إليهِ، فجئتهُ فإذَا هوَ قدْ ماتَ، فرجمتُ إلَى هشامٍ فإذَا هوَ قدْ ماتَ، فرجمتُ إلَى ابنِ عمِّي فإذَا هوَ قدْ ماتَ، رحمةُ اللّهِ عليهم أجمعينَ.
وهكذَا يضربُ هؤلاءِ الشُّهداءُ الثَّلاثةُ الأبرارُ أعلَى مثالٍ فيِ الإيثارِ، وتفضيلِ الغيرِ علَى النّفسِ، وهذَا هوَ شأنُ المسلمِ فيِ هذهِ الحياةِ.
3 - رويَ أنَّهُ اجتمعَ عندَ أبِي الحسنِ الأنطاكي نيفٌ وثلاثونَ رجلاً لهم أرغفةٌ معدودةٌ لَا

الصفحة 123