كتاب منهاج المسلم

تكفيهم شبعًا، فكسروهَا وأطفؤوا السراجَ وجلسُوا للأكلِ، فلمَّا رفعت السفرةُ فإذَا الأرغفةُ بحالهَا لم ينقصْ منهَا شيءٌ؛ لأنً أحداً منهم لم يأكلْ إيثارًا للآخرينَ علَى نفسهِ حتَّى لم يأكلُوا جميعاً، وهكذَا آثر كلُّ مسلمٍ جائعٍ منهم غيرهُ، فكانوا منْ أهلِ الإيثارِ جميعًا.
4 - روَى الشَّيخانِ أنَهُ نزلَ برسولِ اللهِ- عليهِ الصَّلاةُ والسلامُ - ضيف فلم يجدْ عندَ أهلهِ شيئًا، فدخلَ عليهِ رجل منَ الأنصارِ فذهبَ بالضَّيفِ إلَى أهلهِ، ثمَّ وضعَ بينَ يديهِ الطَّعامَ وأمرَ امرأته بإطفاءِ السراج، وجعلَ يمد يدهُ إلَى الطعامِ كأنه يأكل ولَا يأكلُ، حتَّى أكلَ الضَّيفُ إيثارًا للضَّيف علَى نفسهِ وأَهلهِ، فلمَّا أصبحَ قاَل لهُ رسولُ اللّهِ عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: "لقدْ عجبَ اللّهُ منْ صنيعكُم الليلةَ بضيفكم" ونزلتْ آيةُ {وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ} [الحشر: 9] .
5 - حكيَ أن بشرَ بنَ الحارثِ أتاهُ رجلٌ في مرضهِ الَّذِي توفيِّ فيهِ، فشكَا إليهِ الحاجةَ فنزعَ بشرٌ قميصهُ الَّذِي كانَ عليهِ، فأعطاهُ إيَّاهُ، واستعارَ قميصًا ماتَ فيهِ..!
هذهِ خمسُ صورٍ تشكِّلُ أنموذجًا حيا لخلقِ المسلمِ فيِ الإيثارِ وحب الخيرِ ذكرناهَا هنَا ليوردَ المسلمُ عليهَا خاطرهُ فيعودَ مشبعا بروحِ حب الخيرِ والإيثارِ ويواصلُ أداءَ رسالتهِ المثاليةِ في الحياةِ وهوَ المسلمُ قبلَ كلِّ شيءٍ!.
***

الفصلُ الخامسُ: فِي خلقِ العدل والاعتدالِ
المسلمُ يرى أنَّ العدلَ بمعناهُ العامِّ منْ أوجب الواجباتِ وألزمهَا، إذْ أمرَ الله تعالَى بهِ في قولهِ: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى} [النحل: 90] . وأخبرَ تعالَى أنّهُ يحبُّ أهلهُ في قولهِ: {وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} [الحجرات: 9] . والإقساطُ: العدلُ، والمقسطَونَ: العادلونَ؛ وأمرَ بهِ تعالَى في الأقوالِ، كمَا أمرَ بهِ في الأحكامِ، قالَ تعالَى: {وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى} [الأنعام: 152] . وقالَ: َ {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ} [النساء: 58] . ولهذَا يعدلُ المسلمُ فيِ قولهِ وحكمهِ، ويتحرى العدلَ في كل شأنهِ حتَّى يكونَ العدلُ خلقًا لهُ، ووصفًا لَا ينفكُّ عنهُ، فتصدرُ عنهُ أقوالهُ وأعمالهُ عادلة بعيدةً منَ الحيفِ والظلم والجورِ، ويصبحُ بذلكَ عدلًا لَا يميلُ بهِ هوًى، ولَا تجرفهُ شهوةٌ أوْ دنيًا، ويستوجب محبَّةَ اللهِ ورضوانهُ وكرامتهُ وإنعامهُ، إذْ أخبرَ تعالَى أنَّهُ يحبُّ المقسطينَ، وأخبرَ رسولُ اللّهِ عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عنْ كرامتهم عندَ ربِّهم بقولهِ: "إنَّ المقسطينَ عندَ اللَّهِ علَى منابرَ منْ نورٍ، عنْ يمينِ الرحمنِ عز وجل وكلتَا يديهِ يمينٌ؛

الصفحة 124